ولو حصل له غرضه كما يريد وقع في الملل وطلب ثالثة ، ثم يقع الملل ويطلب رابعة ، وما لهذا آخر . انما يفيده بالعاجل تعلق قلبه وأسر لبه ، فيبقى كالمبهوت ، فكره كله في تحصيل ما يريد محبوبه ، فان جرت فرقة أو آفة فتلك الحسرات الدائمة إن بقي أو التلف عاجلا . وأين المستحسن المصون الدين ، القنوع ، المحب لمن يحبه ؟ هذا أقل من الكبريت الأحمر . فلينظر في تحصيل ما يجمع معظم الهم .
ولا يلتفت إلى سواد الهوى وغاية المنى ، وقد سلم .
288 - التقرب إلى اللّه تعالى
إذا تم علم الانسان لم ير لنفسه عملا وانما يرى إنعام الموفق لذلك العمل الذي يمنع العاقل أن يرى لنفسه عملا أو يعجب به ، وذلك بأشياء .
منها أنه وفق لذلك العمل « و
حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ »
ومنها أنه إذا قيس بالنعم لم يف بمعشار عشيرها . ومنها أنه إذا لوحظت عظمة المخدوم احتقر كل عمل وتعبد . هذا إذا سلم من شائبة ، وخلص من غفلة . أما والغفلات تحيط به فينبغي أن يغلب الحذر من رده ، ويخاف العتاب على التقصير فيه ، فيشتغل عن النظر اليه ؛ وتأمل على الفطناء أحوالهم في ذلك ، فالملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون قالوا : ما عبدناك حق عبادتك . والخليل عليه السلام يقول
« وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي »
وما أدل « 1 » بتصبّره على النار وتسليمه الولد إلى الذبح . ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : ما منكم من ينجيه عمله .
قالوا : ولا أنت .
قال : ولا أنا الا أن يتغمدني اللّه برحمته .
وأبو بكر رضي اللّه تعالى عنه يقول : وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول اللّه .
وعمر رضي اللّه عنه يقول : لو أن لي طلاع الأرض « 2 » لافتديت بها من هول ما أمامي قبل أن أعلم ما الخبر . وابن مسعود يقول : ليتني إذا مت لا أبعث . وعائشة رضي اللّه عنها تقول : ليتني كنت نسيا منسيا .
هامش
( 1 ) من الادلال .
( 2 ) أي ملء الأرض .