أحد أعلمه وأنا أتوقّع أن أجد السبيل إلى الإرشاد إليه ، فلم أجد أحدا حتّى اشتدّ الحرّ والجوع جدّا ، حتّى جعلت أشرب الماء أطفئ به حرّ ما أجد من الجوع والخواء ، فبينا أنا كذلك إذ أقبل نحوي غلام قد حمل خوانا عليه طعام وألوان ، وغلام آخر معه طشت وإبريق حتّى وضع بين يدي وقالا : أمرك « 1 » أن تأكل ، فأكلت ، فما فرغت حتّى أقبل عليه السّلام ، فقمت إليه فأمرني بالجلوس والأكل ، فأكلت ، فنظر إلى الغلام فقال : كل معه ينشط ، حتّى إذا فرغت وأخذ الغلام فتات الطعام قال عليه السّلام : مه مه ما كان في الصحراء فدعه ولو فخذ شاة ، وما كان في البيت فالتقطه .
ثمّ قال : سل ، قلت : ما تقول في المسك ؟
فقال : إنّ أبي أمر أن يعمل له مسك في بان « 2 » ، فكتب إليه الفضل « 3 » يخبره أنّ الناس يعيبون ذلك عليك ، فكتب :
« يا فضل ، أما علمت أنّ يوسف كان يلبس ديباجا مزرورا بالذهب ، ويجلس على كراسيّ الذهب ، فلم ينقص من حكمته شيئا ذلك ، وكذلك سليمان عليه السّلام » .
قال : [ ثم قلت ] : ما لمواليك في موالاتهم ؟
فقال : إنّ أبا عبد اللّه عليه السّلام كان له غلام يخدمه ، فقال للغلام رجل ذو مال : سله لأكون له مملوكا مكانك ومالي كلّه لك وأنا أخدمه ، فذهب الغلام إلى الصادق عليه السّلام وقال له : ساق اللّه إليّ خيرا وذكر حديث الرجل ، فقال : إن رغب الرجل فينا قبلناه وأرسلناك ، وأنا أنصحك إذا كان يوم القيامة كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله متعلّقا بنور اللّه ، وكان أمير المؤمنين متعلّقا ب [ نور ] « 4 » رسول اللّه ، وكان الأئمّة متعلّقين بأمير المؤمنين ،
هامش
( 1 ) في النسختين : ( نأتيك ) ، والمثبت عن الخرائج والجرائح .
( 2 ) البان : شجر يؤخذ من حبّه دهن طيّب .
( 3 ) هو الفضل بن سهل ، ذو الرئاستين .
( 4 ) ما بين المعقوفتين أثبتناه من الخرائج .