الجواد الكريم أن يعطي لعبده عشرة أضعافه ، فكانت إرادة اللّه الغالبة ، وأمره النافذ .
137 - وقف أعرابي على ابن عامر فقال : يا قمر البصرة وشمس الحجاز ويا ابن ذروة العرب ، وترب بطحاء مكة ، نزعت بي الحاجة ، وأكدت بي الآمال إلا بفنائك ، فامنحني بقدر الطاقة والوسع ، لا بقدر المحتد والشرف والهمة . فأمر له بعشرة آلاف . فقال : ما ذا ؟ تمرة أو رطبة أو بسرة ؟ قيل : بل دراهم . فصعق . ثم قال : رب إن ابن عامر يجاودك « 1 » ، فهب له ذنبه في مجاودتك .
138 - وتعشى الناس عند سعيد بن العاص ، فلما خرجوا بقي فتى من الشام قاعدا . فقال له سعيد : ألك حاجة ؟ وأطفأ الشمعة كراهة أن يحصر الفتى عن حاجة ، فذكر أن أباه مات وترك دينا وعيالا ، وسأله أن يكتب له إلى أهل دمشق ليقوموا بإصلاح بعض شأنه . فأعطاه عشرة آلاف دينار ، وقال : لا تقاس الذل على أبوابهم ، قال بعض القرشيين . لإطفائه الشمعة أكثر من عشرة آلاف .
139 - قال المأمون لمحمد بن عباد : بلغني أن بك سرفا « 2 » . قال :
يا أمير المؤمنين ، منع الموجود سوء ظن « 3 » بالمعبود . فأمر له بمائة ألف ، وقال : أما مادتك ، واللّه مادتي ، فأنفق ولا تبخل .
سمع المأمون قول عمارة بن عقيل :
هامش
( 1 ) جاوده : أي فاخره بالجود يقال جاوده مجاودة إذا فاخره وكان الفخر قائما على الجود والعطاء والكرم .
( 2 ) السرف : الإسراف : مجاوزة القصد وأسرف في ماله عجل من غير قصد .
والإسراف في النفقة التبذير : قال تعالى :وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا.
( 3 ) ظن : الظن هو شك ويقين إلا أنه ليس بيقين عيان إنما هو يقين تدبر .