48 - علي رضي اللّه عنه : إن أبغض الخلائق إلى اللّه رجلان : رجل وكله اللّه إلى نفسه « 1 » فهو جائر عن قصد السبيل ، مشغوف « 2 » بكلام بدعة ، ودعاء ضلالة ، ورجل قمش جهلا « 3 » ، موضع في جهال الأمة ، غار في أغباش الفتنة « 4 » ، عم بما في عقد الهدنة « 5 » . قد سماه أشباه الناس عالما وليس به ، بكر استكثر من جمع ما قل منه خير مما كثر « 6 » ، حتى ارتوى من آجن « 7 » ، واكتنز من غير طائل « 8 » . جليس الناس قاضيا « 9 » ، ضامنا لتخليص ما التبس على غيره « 10 » . فإن نزلت به إحدى المبهمات هيأ لها حشوا من رأيه ثم قطع « 11 » به . فهو في لبس الشبهات في مثل بيت
هامش
( 1 ) وكله اللّه إلى نفسه : تركه ونفسه وهذا يعني أنه ذهب خلف هواه فيما يعتقد لا يرجع إلى حقيقة من الدين ولا يهتدي بدليل من الكتاب فهو حائد عن قصد السبيل وعادل عن جادته .
( 2 ) المشغوف بشيء : المولع به وكلام البدعة كلام ابتدعته الأهواء والميول .
( 3 ) رجلا قمش جهلا من قمش يقمش قمشا والقمش جمع الشيء من هاهنا وهاهنا وهو ما كان على الأرض من فتات الأشياء حتى يقال لرذالة الناس .
( 4 ) أغباش الفتنة : الغبش : شدة الظلمة وقيل هو بقية الليل وقيل ظلمة آخر الليل وقيل هو ما يلي الصبح وقيل هو حين يصبح والجمع من ذلك أغباش . يقال ليل أغبش أي مظلم . وغبشني خدعني وغبشه عن حاجته خدعه عنها .
( 5 ) عم : وصف من العمى أي جاهل بما أودعه اللّه في الكون . والهدنة إمهال اللّه له في العقوبة وأملاؤه في أخذه .
( 6 ) بكر : بادر إلى المجمع كالجاد في عمله يبكر إليه من أول النهار .
استكثر : أي احتاز كثيرا والمعنى قلته خير من كثرته .
( 7 ) الماء الآجن : هو الماء الفاسد المتغير الطعم واللون شبّه به تلك المجهولات التي ظنها معلومات .
( 8 ) أكتنز من غير طائل : أي حسب ما جمعه كنزا وهو غير طائل أي خسيس .
( 9 ) وردت في نهج البلاغة على غير هذه الصورة فهي : جلس بين الناس قاضيا .
( 10 ) التبس على غيره : أي اختلط عليه واشتبه .
( 11 ) قطع به : أي اعتقده صوابا وأصدر حكمه على أساس أي غير متثبت ولا متمحص والمبهمات هي المشكلات لأنها أبهمت عن البيان والحشو الزائد الذي لا فائدة فيه .