فأخبرت عمر فاشتمل على سيفه وخرج إلى منزلها ، فوجد الشيخ متكئا على باب داره فقال : ما فعلت ابنتك ؟ قال : جزاها اللّه تعالى خيرا ، هي من أعرف الناس بحق اللّه وحق أبيها ، وذلك من حسن صلاتها وحسن صيامها ، والقيام بدينها ، فقال : أحببت أن أزيدها رغبة ، فدخل واخرج من هناك وقال : اصدقيني خبر القتيل والصبي ، أو لأضربنك بالسيف ، وكان عمر لا يكذب فقالت :
كانت عندي عجوز قد تأممتها ، فعرض لها سفر فقالت : لي بنت أحب أن أضمها إليك ، وكان لها ابن أمرد فجاءت به في هيئة الجارية ، وأنا لا أشعر فمكث عندي ما شاء اللّه ، ثم اغتفلني وأنا نائمة ، فلم أشعر به حتى خالطني « 1 » ، فمددت يدي إلى شفرة فضربته ، وأمرت أن يلقى على الطريق ، وقدر أني اشتملت منه على هذا الصبي فألقيته حيث وجد . فقال عمر :
صدقتني بارك اللّه فيك ، ثم وعظها ودعا لها وخرج ، وقال للشيخ : بارك اللّه لك في ابنتك ، فنعم البنت بنتك .
151 - دخل المأمون على زبيدة « 2 » يعزيها عن الأمين ، فتباكيا طويلا وتبرأ من قتله ، فأقسمت عليه ليتغدين عندها . فلما فرغ من الغداء أخرجت إليه من جواري محمد من تغنيه ، فأومأ إلى واحدة ، فغنت بقول الوليد بن عقبة « 3 » .
هم قتلوه كي يكونوا مكانه * كما غدرت يوما بكسرى مرازبه
فألا يكونوا قاتليه فإنه * سواء علينا ممسكاه وضاربه
هامش
( 1 ) المخالطة : المخالطة هنا معناها النكاح واشتملت منه حملت منه .
( 2 ) زبيدة : هي زبيدة بنت جعفر أم محمد الأمين وزوجة هارون الرشيد المتقدم ذكرها .
( 3 ) الوليد بن عقبة : هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط وهو أخو عثمان بن عفان لأمه .