ولقد صدق الفاسق فإن القراءة بالتطريب من باب الاغتناء فقلبوه من الأبيات فلحنوا القرآن تلحينا ، ولقنوه الفتيان تلقينا ، حتى اتخذه قصاص السوء مكسبة ومتسوقا ، وإلى صرف العامة إليهم متسلقا ، ففتنوا به ضعفة الدهماء « 1 » وجهلة الرجال والنساء ، فإذا قالوا : ما أطيب كلام اللّه ! فهو لطيب الأغنية لا لصحة العقيدة وصدق النية .
95 - وعن الهيثم « 2 » : استقرأني الوليد « 3 » فقرأت ، ثم طلب مني الغناء فتغنيت ، فقال : قراءتك أطيب من غنائك ، وإنما حكم بطيبها من أجل تطريبها .
96 - وحكى إسحاق الموصلي عن أبيه إبراهيم أنه غنى الهادي صوتا أطربه فقال : سل ما شئت ، فقال : تقطعني عين مروان بالمدينة ، فقال :
يا غلام جأ عنقه « 4 » ، يا جاهل ! أردت ويلك أن تشيع في الناس أنك غنيتني فاقطعتك على الغنائم « 5 » ! ثم قال لوزيره : أدخل هذا الجاهل الخزانة فأعطه ما شاء « 6 » .
97 - كان يقول حماد بن إسحاق الموصلي : أول من وصله الرشيد حين استخلف جدي إبراهيم « 7 » ، وذلك أنه قال :
هامش
( 1 ) الدهماء : العامة من الناس ، الأوباش .
( 2 ) الهيثم : هو الهيثم القاري . تقدمت ترجمته .
( 3 ) الوليد : هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان ، الخليفة الأموي ، ولي الخلافة سنة 125 ه وقتل سنة 126 ه . قتله عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك .
( 4 ) جأ عنقه : أضربها . والفعل وجأ .
( 5 ) الغنائم : أراد ما أصاب بنو العباس من أموال بني أمية .
( 6 ) راجع الخبر في كتابنا « طرائف الأصفهاني في كتاب الأغاني » فالرواية فيه فيها اختلاف في بعض الألفاظ .
( 7 ) رواية الأغاني عن حماد عن أبيه قال : أول جائزة خرجت لشاعر من الرشيد لما ولي الخلافة جائزة لأبي ، فإنه قال يمدحه لما وليّ الخلافة : وقال البيتين وفيهما اختلاف في بعض الألفاظ .