وقال له : أتعرفه ؟ قال : لا ، قال : هذا علّامة أهل البصرة أبو عبيدة ، وأقدمناه لنستفيد من عمله ، فشكر له الرجل ، ودعا له ، وقال : إني كنت مشتاقا إليك ، وقد سئلت عن مسألة ، أفتأذن لي أن أعرفكها ؟ قلت :
هات ، قال : قال اللّه تعالى :
طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ
« 1 » وإنما يقع الوعد والإيعاد بما عرف . فقلت هو على كلام العرب ، أما سمعت قول امرئ القيس :
أتقتلني والمشرفيّ مضاجعي * ومسنونة زرق كأنياب أغوال « 2 »
وهم لم يروا الغول ، ولكن لما كان أمر الغول « 3 » يهولهم أوعدوا به ، فاستحسنه الفضل والرجل ، واعتقدت منه أن أضع كتابا في نحو ذلك ، فعملت فيه كتابي الذي سميته « كتاب المجاز » « 4 » .
29 - يقال : أدركته أصابع الشيطان إذا تكبر بعد العمل « 5 » ، وقالوا :
من ولاه السلطان صبعه الشيطان « 6 » ، قال :
قد كنت أكرم صاحب وأبرّه * حتى دهتك أصابع الشيطان
هامش
( 1 ) سورة الصافات ، الآية : 65 .
( 2 ) المشرفي : السيف المنسوب إلى مشارق الشام وهي قرى للعرب قريبة من بلاد الروم . ومسنونة زرق : كناية ان نصال الرماح . وزرق : صافية مجلوّة . وأغوال :
قال أبو عبيد : الأغوال همرجة ( التباس واختلاط ) من همرجة الجن وإنما أراد التهويل . قال المبرّد : لم يخبر صادق أنه رأى الغول .
والبيت من قصيدة لامرئ القيس هي قرينة معلقته في الجودة مطلعها :ألا عم صباحا أيها الطلل البالي * وهل يعمن من كان في العصر الخاليراجع ديوانه ص 122 طبعة دار الكتب العلمية .
( 3 ) الغول : من أنواع الجن التي ذكرناها . وتصديقا لما قاله المبرّد في الهامش المذكور أعلاه فقد قيل : المستحيلات ثلاثة هي : الغول ، والعنقاء ، والخلّ الوفيّ .
( 4 ) كتاب المجاز : هو مجاز القرآن .
( 5 ) العمل : الولاية .
( 6 ) صبعه الشيطان : أي أدركته أصابعه .