والماشية ، وهاجت الآبية والعاشية « 1 » ، وارتجعت رذايا « 2 » المطايا ، ما أخذت منها المخارم والثنايا ، وأنشأت تسترد بمشافرها ، ما سلبها جذاب البرى « 3 » بمناخرها . سائمة في العميم الكث ، من الطبّاق والشث « 4 » ، وسارحة في المراح الفسيح ، من القيصوم والشيح « 5 » ، فنحن في سوابغ من النعم ، نرتع فيها رتعة النعم . قد عز عندنا أن يستضيف ضيفا كريم ، واستغنى أن يسترضع لئيم . وأترعت الجفان « 6 » رذما ، واستحال القرم « 7 » بشما « 8 » ، وحالت البطنة دون الفطنة . ومنع الطعام عن تراجع الكلام .
فلو أن قسا « 9 » بيننا لخرس ، أو دغفلا « 10 » لأبلس « 11 » . وكأن الشاعر أرادنا بقوله :
أتانا وما داناه سحبان وائل * بيانا وعلما بالذي هو قائل « 12 »
هامش
( 1 ) العاشية : الضعيفة البصر ، والآبية : المستعصية .
( 2 ) الرذايا : جمع رذية وهي الناقة المتعبة .
( 3 ) البرى : جمع برة وهي حلقة تكون في أنف البعير للتذليل .
( 4 ) الطباق والشث : نوعان من الشجر .
( 5 ) القيصوم والشيح : نوعان من النبت .
( 6 ) الجفان : جمع جفنة وهو وعاء كبير يوضع فيه الطبيخ . والجفان الرذم : الممتلئة .
( 7 ) القرم : الذي يشتهي الأكل .
( 8 ) البشم : الذي أكل حتى شبع .
( 9 ) قس : هو قس بن ساعدة بن عمرو بن عدي بن مالك ، من بني أياد ، أحد حكماء العرب ، من كبار خطبائهم في الجاهلية . كان أسقف نجران ويقال إنه أول عربي خطب متوكئا على سيف أو عصا وأول من قال في كلامه « أمّا بعد » . أدرك النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ورآه في عكاظ . توفي نحو سنة 23 ق . ه . راجع ترجمته في البيان والتبيين 1 : 27 والمرزباني 338 .
( 10 ) دغفل : هو دغفل بن حنظلة تقدمت ترجمته .
( 11 ) أبلس : تحيّر وانكسر وحزن .
( 12 ) سحبان وائل : هو سحبان بن زفر بن إياس الوائلي من باهلة . خطيب يضرب به المثل في البيان . يقال « أخطب من سحبان » و « أفصح من سحبان » . اشتهر في الجاهلية وعاش زمنا في الإسلام . أسلم في زمن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ولم يجتمع به . له شعر قليل وأخبار . توفي سنة 54 ه . راجع ترجمته في تهذيب ابن عساكر 6 : 65 .