ويروى أن أبا العتاهية « 1 » ، مرّ بدكان الورّاق « 2 » ، وإذا كتاب فيه بيت من الشعر :
لن ترجع الأنفس عن غيّها * ما لم يكن منها لها زاجر
فقال : لمن هذا ؟ فقيل : لأبي نواس « 3 » قال : وددت أنه لي بنصف شعري .
قال الأصمعي « 4 » : إنّ النعمان بن امرئ القيس الأكبر « 5 » ، الذي بنى الخورنق « 6 » أشرف على الخورنق يوما ، فأعجبه ما أوتي من الملك والسّعة ، ونفوذ الأمر ، وإقبال الوجوه نحوه ، فقال لأصحابه : هل أوتي أحد مثل ما أوتيت ؟ فقال له حكيم من حكماء أصحابه : أهذا الذي أوتيت شيء لم يزل ولا يزال ، أم شيء كان لمن كان قبلك زال عنه وصار إليك ؟ قال : بل شيء كان لمن قبلي زال عنه وصار إليّ ، وسيزول عنّي ، قال : فسررت بشيء تذهب عنك لذّته وتبقى تبعته ؟ قال : فأين المهرب ؟ قال : إما أن تقيم وتعمل بطاعة الله ، أو تلبس أمساحا « 7 » ، وتلحق بجبل وتعبد ربّك فيه ، وتفر من الناس حتى يأتيك أجلك ، قال : فإذا كان ذلك فما لي ؟ قال : حياة لا موت فيها ، وشباب لا هرم فيه ، وصحّة لا سقم فيها ، وملك جديد لا يبلى ، قال : فأيّ خير فيما يفنى ؟ والله لأطلبنّ عيشا لا يزول أبدا ، وملكا جديدا . فانخلع من ملكه
هامش
( 1 ) أبو العتاهية : الشاعر المشهور ، سبقت ترجمته .
( 2 ) الوراق : صانع أو صاحب أو بائع الورق والكتب .
( 3 ) أبو نواس : الحسن بن هانئ ، من كبار شعراء العصر العباسي ، قرّبه هارون الرشيد ، وجعله الأمين شاعره ، اتصل بالبرامكة ، أسرف في اللهو حتى لقب بشاعر الخمرة ، توفي سنة 198 ه .
( 4 ) الأصمعي : عبد الملك بن قريب ، راوية العرب ، لغوي بصري من المشاهير ، عهد إليه هارون الرشيد بتعليم الأمين وسمّاه « شيطان الشعر » ، توفي سنة 216 ه ( الأعلام 4 / 162 ) .
( 5 ) هو النعمان بن امرئ القيس بن عمرو اللخمي ، ويعرف بالأعور السائح ، ملك الحيرة من قبل الفرس في الجاهلية ، وليها بعد موت أبيه ، كان شجاعا كثير الغارات ، داهية رفيع الذكر ، وهو باني قصر الخورنق ، وقصر السدير ، طال عمره ، وزهد عند اكتهاله ، واستعاض عن رداء الملك بقباء النسك ، وانصرف سائحا في البلاد ، وانقطع خبره فقيل : مات سنة 431 م . ( الأعلام ، الزركلي ج 8 / 35 ) .
( 6 ) الخورنق : موضع في العراق اشتهر بقصر النعمان بن امرئ القيس ، وقد ذكره شعراء الجاهلية ، بناه سنمار في 20 سنة ، وكان جزاؤه أن رماه النعمان من أعلى شرفاته ، فضرب به المثل : « جزاه جزاء سنمار » .
( 7 ) الأمساح : كساء من نسيج الشعر ، يلبس على البدن تقشفا وقهرا للجسد .