إن كنت إذا عصيت الله ظننت أنه يراك فلقد اجترأت على ربّ عظيم ، وإن كنت تظن أنه لا يراك فلقد كفرت بربّ عظيم .
وكتب علي بن أبي طالب « 1 » رضي الله عنه ، إلى سلمان « 2 » : إنما مثل الدنيا كمثل الحيّة ، لمسها ليّن ويقتل سمّها ، فأعرض عنها وعمّا يعجبك منها ، لقلة ما يصحبك منها ، ودع عنك همومها لمّا تيقّنت من فراقها ، وكن أسرّ ما تكون فيها ، أحذر ما تكون منها ، فإنّ صاحبها كلّما اطمأنّ فيها إلى سرور أشخص منها إلى مكروه .
وقال أبو العتاهية « 3 » :
هي الدّار دار الأذى والقذا * ودار الفناء ودار الغير « 4 »
ولو نلتها بحذافيرها * لمتّ ولم تقض منها وطر « 5 »
أيا من يؤمّل طول الحياة * وطول الحياة عليه ضرر
إذا ما كبرت وبان الشّباب * فلا خير في العيش بعد الكبر « 6 »
ولما بلغ مراده من الدنيا ، أفضل ما من سمت إليه نفسه ، ورقّت إليه همّته ، رفضها ونبذها ، وقال : هذا سرور لولا أنه غرور ، ونعيم لولا أنه عديم ، وملك لولا أنه هلك ، وغناء لولا أنه فناء ، وجسيم لولا أنه ذميم ، ومحمود لولا أنه مفقود ، وغنى لولا أنه منى ، وارتفاع لولا أنه اتّضاع « 7 » ، وعلاء لولا أنه بلاء ، وحسن لولا أنه حزن ، وهو يوم لا وثوق له بغد .
هامش
( 1 ) ورد في ( ط ) أن الكاتب هو : علي بن الحسين ، والصحيح أن هذا الكتاب للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وجهه إلى سلمان الفارسي قبل أيام خلافته . ( انظر : شرح نهج البلاغة ، 5 / 218 ) .
( 2 ) هو سلمان الفارسي : صحابي ، أصله من مجوس أصبهان ، رحل إلى الشام والموصل وعمورية ، وقصد بلاد العرب باحثا عن الحقيقة ، وقد لقيه قوم فاستعبدوه ، ثم أعانه المسلمون على التحرر وشراء نفسه من صاحبه ، كان قوي الجسم صحيح الرأي ، فهو الذي دلّ المسلمين على حفر الخندق في غزوة الأحزاب ، قال فيه رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « سلمان منّا آل البيت » توفي سنة 36 ه .
( 3 ) أبو العتاهية : إسماعيل بن القاسم العنزي ، من قبيلة عنزه ، شاعر الكوفة المعروف ، أغلب شعره في الزهد ، والتنكر للدنيا مع حرصه الشديد على المال ، بلغ منزلة عالية عند هارون الرشيد بعد أن اتصل بالمهدي والهادي ، توفي سنة 211 ه ، 825 م .
( 4 ) دار الغير : دار الغروب ، والزوال والأحداث المتغيرة .
( 5 ) الوطر : الحاجة والبغية .
( 6 ) بان الشباب : بعد وانقطع .
( 7 ) اتضاع : خضوع وضعف وانحطاط ، يقال : تضعضع به الدهر : أي أذلّه .