الباب السابع والأربعون في سيرة السلطان في استجباء الخراج « 1 »
أيّها الملك : من طال عدوانه زال سلطانه ، واعلم : أنّ المال قوة السلطان ، وعمارة المملكة ، ولقاحه الأمن ، ونتاجه العدل ، وهو حصن السلطان ، ومادّة الملك ، والمال أقوى العدد على العدو ، وهو ذخيرة الملك ، وعمارة المملكة ، وحياة الأرض ، ومن حقه أن يؤخذ من حقّه ، ويوضع في حقه ، ويمنع من سرف ، ولا يؤخذ من الرعية إلا ما فضل عن معاشها ومصالحها ، ثم ينفق ذلك في الوجوه التي يعود عليها نفعها ، فيا أيها الملك : احرص كل الحرص على عمارة الأرضين ، والسلام .
أيها الملك : مر جباة الأموال بالرّفق ، ومجانبة الخرق « 2 » ، فإن العلقة « 3 » تنال من الدم ، بغير أذى ولا سماع صوت ، ما لا تناله البعوضة بلسعتها وهول صوتها .
ولما عزل عثمان عمرو بن العاص عن مصر ، استعمل عليها ابن أبي السرح « 4 » ، فحمل من المال أكثر مما كان يحمله عمرو فقال عثمان : يا عمرو ؛ أشعرت أنّ اللّقاح « 5 » درّت بعدك ؟ فقال عمرو : ذلك لأنكم أعجفتم « 6 » أولادها .
وقال زياد : أحسنوا إلى المزارعين ، فإنكم لم تزالوا سمانا ما سمنوا .
هامش
( 1 ) للخراج عدة معان هي : ( الضريبة التي تؤخذ من أموال الناس - المال المفروش على الأرض - الجزية التي كانت تفرض على أهل الذمة - غلة الأرض .
( 2 ) الخرق : الحمق .
( 3 ) العلقة : دودة تمتص الدم .
( 4 ) عبد الله بن أبي السرح : من أبطال الصحابة ومن كتّاب الوحي ، أسلم قبل فتح مكة ، كان على ميمنة عمرو بن العاص حين فتح مصر ثم وليها سنة 25 ه بعد عمرو بن العاص واستمر 12 سنة زحف خلالها على أفريقية بجيش فيه الحسن والحسين أبناء علي رضي الله عنهم أجمعين ودانت له كل أفريقية وكان قائد معركة ( ذات الصواري ) سنة 34 ه حيث انتصر على الروم ، ولما قتل عثمان رضي الله عنه ولّى علي مكانه قيس بن سعد فتوجه للشام ومات سنة 37 ه . ( الأعلام 4 / 88 ) .
( 5 ) اللقاح : الإبل والأغنام المرضعة .
( 6 ) أي منعتم أولادها : من الرضاع فأصبحت هزيلة .