ومثل من يصحب السلطان ليصلحه ، مثل من ذهب ليقيم حائطا مائلا ، فاعتمد عليه ليقيمه ، فخرّ الحائط عليه فأهلكه .
وفي كتاب كليلة ودمنة : لا يسعد من ابتلي بصحبة الملوك ، فإنه لا عهد لهم ولا وفاء ، ولا قريب ولا حميم ، ولا يكرم عليهم أحد إلا أن يطمعوا فيما عنده فيقرّبوه عند ذلك ، فإذا قضوا حاجتهم تركوه ، ولا ودّ ولا إخاء ، إلا البلاء يجزى ، والذنب لا يغفر له .
وقال بزرجمهر : لا تصلح صحبة السلطان إلا بالطاعة والبذل ، ولا مؤاخاة الإخوان إلا باللين والمواساة .
وقال بعض حكماء الفرس : المال والسلطان مفسدان لكل واحد ، إلّا لرجل له عقل كامل .
وقالت الحكماء : صاحب السلطان كراكب الأسد ، يخافه الناس وهو لمركبه أخوف .
وقالوا : من لزم باب السلطان بصبر جميل ، وكظم الغيظ ، واطّراح الأذى « 1 » ، وصل إلى حاجته ، كالكرم « 2 » لا يتعلق بأكرم الشجر لكن بأدناها .
وكانت العرب تقول : إن لم تكن من قرباء الملك ، فكن من بعدائه .
وفي حكم الهند : إنما مثل السلطان في قلة وفائه مع أصحابه ، وسخاء نفسه عمن فقده منهم : كمثل الصبى والمكتّب « 3 » ، كلما ذهب واحد جاء أخر .
والعرب تقول : ( السلطان ذو غدوات ، وذو بدوات ، وذو تدارؤ « 4 » وتريد أنه : سريع الانصراف ، كثير البدوات ، هجّام على الأمور ، وأصله من الدرء وهو : الدفع .
* * *
هامش
( 1 ) اطراح الأذى : أي ابعاده ورميه وقذفه .
( 2 ) الكرم : العنب .
( 3 ) المكتّب : معلم الكتابة .
( 4 ) في ( خ ) العرب تقول : ( السلطان ذو عدوان وذو بدوان ) أي : يعدو على الناس ويجور عليهم ، ويقال : « أبدى في كلامه » أي جار ويقال : هو ذو تدارؤ : أي دفع أو هو ( ذو تدره ) : إذا كان هجاما على أعدائه من حيث لا يشعرون .