الباب الرابع والأربعون في التحذير من صحبة السلطان
اتفقت حكماء العرب والعجم ووصاياهم على النهي عن صحبة السلطان .
قال في كتاب كيلة ودمنة « 1 » : ثلاثة لا يسلم عليها إلا القليل : صحبة السلطان ، وائتمان النساء على الأسرار ، وشرب السم على التجربة .
وكان يقال : قد خاطر بنفسه من ركب البحر ، وأعظم منه خطرا صحبة السلطان .
وقال مردك « 2 » : أحق الأمور بالتثبت فيها أمر السلطان ، فإنه من صحب السلطان بغير عقل ، فقد لبس شعار الغرور .
وفي حكم الهند أيضا : صحبة السلطان على ما فيها من العز والثروة عظيمة الخطر ، وإنما تشبّه بالجبل الوعر ، فيها الثمار الطيبة ، والسباع العادية ، والثعابين المهلكة ، فالارتقاء إليه شديد ، والمقام فيه أشد .
وليس يتكافأ خير السلطان وشره ، لأن خير السلطان لا يعدو مزيد الحال وشر السلطان قد يزيل الحال ، ويتلف النفس التي لها طلب المزيد ، ولا خير في الشيء الذي في سلامته مال وجاه ، وفي نكبته الجائحة والتلف . ولهذا لما قيل للعتابى « 3 » : لم لا تصحب السلطان على ما فيك من الأدب ؟ قال : إني رأيته يعطي عشرة آلاف في غير شيء ، ويردى من الصّور « 4 » في غير شيء ، ولا أدرى أي الرجلين أكون .
هامش
( 1 ) كليلة ودمنة : كتاب في تهذيب النفس والإرشاد إلى حسن السياسة ، جعلوه على ألسنة الحيوانات ، نقله عبد الله بن المقفع من البهلوية إلى العربية .
( 2 ) مردك الفارسي أو مزدك : سبقت ترجمته .
( 3 ) العتابي : هو كلثوم بن عمرو التغلبي ، شاعر بليغ ، مدح الملوك والخلفاء والأمراء والبرامكة مات سنة 220 ه .
( 4 ) الصّور : صفحة العنق جمعها صيران والصور جمعها أصوار : المجتمع من صغار النخل . أو الصّور : الوجوه والأشكال .