وقال بعض الرواة : دخلت مدينة يقال لها ( ذمار ) « 1 » فبينا أنا أطوف في خرابها ، إذ رأيت مكتوبا على قصر خراب :
يا من ألحّ عليه الهمّ والفكر * وغيّرت حاله الأيّام والغير « 2 »
أما سمعت بما قد قيل في مثل * عند الإياس فأين اللّه والقدر
نم للخطوب إذا أحداثها طرقت * واصبر فقد فاز أقوام بما صبروا
فكلّ ضيق سيأتي بعده سعة * وكلّ فوت وشيك بعده الظّفر
وتحته مكتوب بخط آخر : لو كان كلّ من صبر أعقب الظفر صبرت ، ولكنا نجد الصبر في العاجل يفني العمر ويدني من القبر ، وما كان أصلح لذي العقل موته وهو طفل ، والسلام .
قلت لو رأيته لكتبت تحته : في الصبر استعجال الراحة ، وانتظار الفرج ، وحسن الظن بالله ، وأجر بغير حساب . وفي الجزع : استعجال الهمّ ، ونهك البدن ، واستشعار الخيبة ، وسوء الظنّ بالله ، وحمل الإثم مع العقوبة ، وما أحسن بذي العقل اجتناب هذا ، والسلام .
وقال بعض البلغاء : من صبر نال المنى ، ومن شكر حصّن النعماء .
وقال الشاعر :
الصبر مفتاح كلّ خير * وكلّ شرّ به يهون
اصبر وإن طالت اللّيالي * فربّما ساعد الحرون « 3 »
وربّما نيل باصطبار * ما قيل هيهات لا يكون
وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله : ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه وعوضه صبرا ، إلّا كان ما عوضه أفضل مما انتزعه منه ، وقرأ :
إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ
[ الزمر : 10 ] .
وروي أن جارية كانت لعلي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، تتصرف في حوائجه ، فكلما خرجت تصدى لها خياط كان بقرب دار علي ، يقول لها :
هامش
( 1 ) ذمار : اسم قرية باليمن على مرحلتين من صنعاء ينسب إليها نفر من أهل العلم ، وقال قوم :
ذمار اسم لصنعاء ( معجم البلدان ياقوت الحموي ج 3 / ص 7 ) .
( 2 ) غير الدهر : أحواله المتغيرة .
( 3 ) يقال : حرن البغل والحصان إذا وقف ولم ينقد ، وحرن العسل في الخلية إذا لزق فعسر نزعه .