وقال آخر :
وعوّضت أجرا من فقيد فلا تكن * فقيدك لا يأتي وأجرك يذهب
وقال بعض الحكماء : ليس بمجموع له الرّشد من تابع التلهّف على فائت ، أو أكثر الفرح عند مستطرف « 1 » .
وقال الحكيم : إن كنت جازعا ما تفلّت من يديك ، فاجزع على ما لم يصل إليك ، ومن أيقن أنّ كلّ فائت إلى نقصان ، حسن عزاؤه عند نزول القضاء . وقال الشاعر :
إذا طال بالمحزون أيّام صبره * كساه ضنا طول المقام على الصّبر « 2 »
ولا شكّ أنّ الصّبر يحمد غبّه * ولكنّ إنفاقي عليه من العمر « 3 »
وقال بعض القدماء : الصبر على أربع مراتب : على الشوق ، والإشفاق ، والزهد ، والترقب ، فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات ، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات ، ومن زهد في الدنيا تهاون بالمصيبات ، ومن راقب الموت اقصر عن الخطيئات .
وأما القسم الثالث : وهو الصبر فيما ينتظر وروده
من رغبة يرجوها ، أو يخشى حدوثه من رهبة يخافها : فبالصبر والتلطف يدفع عادية ما يخاف ، وينال نفع ما يرجو .
قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « انتظار الفرج من الله بالصبر عبادة » « 4 » .
وقال محمد بن بشير « 5 » :
إنّ الأمور إذا اشتدّت مسالكها * فالصّبر يفتح منها كلّ ما ارتجى « 6 »
لا تيأسنّ وإن طالت مطالبة * إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
أخلق بذي الصّبر أن يحظى بحاجته * ومدمن القرع للأبواب أن يلجا « 7 »
هامش
( 1 ) مستطرف : مستحدث . وفي ( خ ) مستظرف .
( 2 ) الضنى : المرض .
( 3 ) يحمد غبّه : يحمد آخره .
( 4 ) رواه القضاعي عن ابن عمرو عن ابن عباس ، وروى مثله ابن أبي الدنيا في الفرج وابن عساكر عن علي بلفظ : « انتظار الفرج من الله عبادة » ( كنز العمال : 6507 ، 6508 ) .
( 5 ) محمد بن بشير : قاضى الأندلس وكاتب أحد الوزراء واستمر في القضاء إلى أن توفى ، أخباره كثيرة ، توفى سنة 198 ه . ( الأعلام 2 / 52 ) .
( 6 ) يقال : رتج الباب إذا أغلق ، ورتج الخطيب : إذا أغلق عليه الكلام .
( 7 ) يلج : يدخل .