وقال الجنيد « 1 » : المسير من الدنيا سهل هيّن على المؤمن ، وهجر الخلق في جنب الله شديد ، والمسير من النفس إلى الله شديد ، والصبر مع الله تعالى شديد . وسئل عن الصبر فقال : تجرّع المرارة من غير تعبيس .
وكان حبيب ابن أبي حبيب « 2 » إذا قرأ هذه الآية :
إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
[ ص : 44 ] بكى ، ثم قال : وا عجباه ، أعطى وأثنى .
وقال الخوّاص « 3 » : الصبر : الثبات على أحكام الكتاب والسنة .
وقال عبد الواحد بن زيد « 4 » : من نوى الصبر على طاعة الله تعالى ، صبّره الله تعالى عليها وقوّاه ، ومن عزم على الصبر عن معصية الله تعالى ، أعانه الله تعالى وعصمه منها .
وقال عمر بن عبد العزيز : للقاسم بن محمد « 5 » ، أوصني : فقال القاسم :
عليك بالصبر في مواطن الصبر .
وقال الحسن : الصبر صبران : صبر عند المصيبة ، وصبر عما نهى الله عنه ، وهو الأفضل ، وإنما يختلف الصبر بالخوف والرجاء ، فإن من خاف شيئا صبر على الفرار منه ، وصبر عند الكراهية لما يحذر من ضرره ، ومن رجا شيئا صبر على طلبه ليظفر به .
وأما القسم الثاني : وهو : الصبر على ما فات إدراكه
من مسرّة أو تقضّت أوقاته من مصيبة : فإنه يتعجّل به الرّاحة مع اكتساب المثوبة ، فإن صبر طائعا استراح وأحرز الثواب ، وإن لم يصبر حمل الهمّ والوزر .
هامش
( 1 ) الجنيد بن محمد النهاوندي ، الفقيه الزاهد وصاحب الطريقة الجنيدية ، توفى سنة 297 ه .
( الأعلام 2 / 141 ) .
( 2 ) حبيب بن أبي حبيب أبو عمرو البجلي البصري ، نزيل الكوفة ، روى له الترمذي ، قال الزبيدي في إتحاف السادة المتقين : صدوق يخطئ وذكر عنه ما ذكره الشيخ الطرطوشى هنا ( انظر ج 11 / 13 ) .
( 3 ) سليمان الخواص : من العابدين الكبار ، ذكره الأوزاعي من الزهّاد ، وقال سعيد : « ما رأيت أزهد من سليمان الخواص » ، وقال : لو كان في السلف لكان علامة ( حلية الأولياء 8 / 276 ، 277 ) .
* وممن حمل لقب الخواص أيضا « إبراهيم بن أحمد الخواص » وهو صوفي من أقران الجنيد النهاوندي ، توفى سنة 291 ه .
( 4 ) عبد الواحد بن زيد الزاهد وشيخ العباد وسبقت ترجمته .
( 5 ) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، أحد الفقهاء السبعة في المدينة ، ولد فيها وتوفى بقديد ( بين مكة والمدينة ) حاجّا أو معتمرا ، كان صالحا ثقة من سادات التابعين بل ومن أفضل أهل زمانه ، توفى سنة 107 ه . ( الأعلام 5 / 181 ) .