واعلم : أن البخل يكون من سوء الظنّ بالله ، أن لا يخلف ولا يثيب ، وهذا يوهن التصديق بما تكفل الله به ، ويطرق الخلل والامتناع إلى جميع الأوامر بين العبد وبين الخالق ، وبين العبد وبين الخلق ، في ترك معاونتهم والنصح لهم .
وقال كسرى لأصحابه : أيّ شيء أضرّ بابن آدم ؟ قالوا : الفقر . فقال كسرى : الشح أضر من الفقر ، لأن الفقير إذا وجد اتّسع ، والشحيح لا يتسع أبدا .
ولما قدم الشّافعي « 1 » من صنعاء إلى مكة ، كان معه عشرة آلاف دينار ، فقالوا له : تشتري بها ضيعة ؟ فضرب خيمة خارج مكة ، وصب الدنانير .
فكلّ من دخل عليه كان يعطيه قبضة قبضة ، فلما جاء وقت الظهر ، قام ونفض الثوب ولم يبق شيء .
ولما قربت وفاته قال : مروا فلانا يغسلني - وكان الرجل غائبا - فلما قدم أخبر بذلك ، فدعا بتذكرته ، فوجد عليه سبعين ألف درهم دينا ، فقضاها وقال : هذا غسلي إياه .
وروي أن رجلا أراد أن يؤذي عبد الله بن عباس ، فأتى وجوه البلد وقال :
يقول لكم ابن عباس : تغدوا اليوم عندي ، فأتوه فملئوا الدار ، فقال : ما هذا ؟
فأخبر الخبر ، فأمر أن تشترى الفواكه في الوقت ، وأمر بالخبز والطبيخ ، فأصلح القرى « 2 » ، فلما فرغ قال لوكلائه : أموجود لنا هذا كل يوم ؟ قالوا :
نعم ، قال : فليتغد هؤلاء كلهم كل يوم عندنا .
ومن الخصال الجارية مجرى الكمال والجمال ولعلها من الأصول ، الصبر .
* * *
هامش
( 1 ) محمد بن إدريس الشافعي الفقيه المعروف سبقت ترجمته .
( 2 ) القرى : طعام الضيف .