الباب الثاني والثلاثون في الصبر
الصبر زمام سائر الخصال ، وزعيم الغنم والظّفر ، وملاك كل فضيلة ، وبه ينال كل خير ومكرمة ، قال الله تعالى :
وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا
[ الأعراف : 37 ] وقال تعالى :
إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ
[ الزمر : 10 ] فمعظم وظائف الدين ذكر الله ورسوله جزاء معلوما لمن أقامها ، إلا الصبر ، فإنه بغير حساب .
وقال تعالى :
وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا
[ السجدة : 10 ] ، قيل : عن الدنيا .
وقال ابن عيينة « 1 » لما أخذوا برأس الأمر ، جعلهم الله رؤساء .
وقال تعالى :
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ
[ الحجر : 97 ] .
وقال تعالى :
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
[ الأنعام : 33 ] .
وقال تعالى :
وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً
[ آل عمران : 186 ] .
ثم ندبهم إلى الصبر مع وجود الأذى ، فقال :
وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
[ آل عمران : 186 ] .
فالصبر : حبس النفس على الأوامر والمكاره ، وعن النواهي والمعاصي ، ألا ترى أن أهل الجنة نودوا فقيل لهم :
سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ
[ الرعد : 24 ] فأخبر الله تعالى : أنه أثابهم جنته بصبرهم ، يعني صبرتم على طاعة الله ، وصبرتم عن معصية الله .
قال تعالى :
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ
[ الكهف : 286 ] أي أحبس نفسك . . . الآية .
فمن أمارات حسن التوفيق ، وعلامات السعادة : الصبر في الملمّات ، والرفق عند النوازل .
هامش
( 1 ) ابن عينيه : هو سفيان بن عيينة المحدّث والعالم الكبير سبقت ترجمته .