ولأم حاتم طيئ قالت « 1 » :
لعمري لقدما عضّني الجوع عضّة * فآليت ألّا أمنع الدّهر جائعا
فقولا لهذا اللائم الآن أعفني * فإن أنت لم تسطع فعضّ الأصابعا
فهل ما ترون الآن إلّا طبيعة * فكيف بتركي يا ابن أمّ الطّبائعا
وقال آخر :
أصون عرضي بمالي لا أدنّسه * لا بارك اللّه بعد العرض في المال
أحتال للمال إن أودى فأجمعه * ولست للعرض إن أودى بمحتال
ويروى أن رجلا سأل الحسن بن علي - رضي الله عنه - شيئا ، فأعطاه خمسين ألف درهم وخمسمائة دينار ، وقال ائت بحمال يحمله لك ، فأتاه بحمال ، فأعطاه طيلسانة « 2 » وقال : يكون كراء الحمال من قبلي .
ويروى أن الليث بن سعد « 3 » سألته امرأة سكرجة « 4 » عسل ، فأمر لها بزق « 5 » عسل ، فقيل له في ذلك ، فقال : إنها سألت على قدر حاجتها ، ونحن نعطيها على قدر نعمتنا .
وروي أن رجلا استضاف لعبد الله بن عامر بن كريز « 6 » ، فلما أراد الرجل أن يرتحل لم يعنه غلمانه ، فسئل عن ذلك ؟ فقال عبد الله : إنهم لا يعينون من ارتحل عنا .
وفي معناه قول المتنبي « 7 » :
إذا ترحّلت عن قوم وقد قدروا * أن لا تفارقهم فالرّاحلون هم
* * *
هامش
( 1 ) في ( ط ) : [ وليم حاتم فقال ] : أي لامه الناس على كرمه ، ولكن هذه الأبيات كما في ( خ ) لأمه ، والسياق يدل على ذلك ، وكانت امرأة كريمة شاعرة ، لامها قومها على الإنفاق ، فقالت هذه الأبيات .
وحاتم طيء هو حاتم الطائي نسبة إلى قبيلته طي ، الشاعر الجاهلي المشهور بكرمه وجوده وشجاعته والذي أصبح يضرب مثر في الجود والكرم ، مات أواخر القرن السادس الميلادي وقد سبق التعريف بابنه عدي الذي أسلم وحسن إسلامه .
( 2 ) الطيلسان : كساء أخضر يلبسه الخواص من المشايخ والعلماء وهو من لباس العجم .
( 3 ) الليث بن سعد : أبو الحارث . إمام أهل مصر في عصره حديثا وفقها ، أصله من خراسان وكان من الكرماء الأجواد ، أخباره كثيرة وله تصانيف ، توفي سنة 175 ه .
( 4 ) السكرجة : إناء صغير .
( 5 ) الزقّ : إناء كبير .
( 6 ) عبد الله بن عامر بن كريز : أمير فاتح ولي البصرة أيام عثمان بن عفان وفتح عدة بلدان ثم ولاه معاوية كذلك على البصرة وعزله منها فرجع مكة ، ومات فيها سنة 59 ه .
( 7 ) أبو الطيب المتنبي : الشاعر الحكيم وأحد مفاخر الأدب العربي ولد بالكوفة ونشأ بالشام مدح الخلفاء والولاة ونال حظوة عند بعضهم وهذا البيت من قصيدة طويلة يعاتب فيها سيف الدولة الحمداني .