آلاف لبعثت بها إليك ، فلما خرج من عندها ، جاءتها عشرة آلاف من عند خالد بن أسيد ، فأرسلت بها في أثره ، فاشترى جارية بألف درهم ، فولدت له ثلاثة أولاد ، فكانوا عبّاد المدينة ، محمد ، وأبو بكر ، وعمر بنو المنكدر .
وقال يحيى بن معين « 1 » كان جرير بن يزيد في دار المطلب « 2 » ، فجاء إنسان يسأله ، فقال للغلام : اذهب إلى الجواري فقل لهن : من أرادت منهن أن تصبغ ثيابها فلتبعث بها ، فجاء الغلام بثياب كثيرة ، فقال للسائل : خذها .
وقال الأصمعي : كانت جرت حرب بالبادية ، ثم اتصلت بالبصرة ، فتفاقم الأمر فيها ، حتى مشى بين الناس بالصلح ، فاجتمعوا في المسجد الجامع ، قال : فبعثت - وأنا غلام - إلى : ضرار بن القعقاع بن حازم ، فاستأذنت عليه ، فأذن لي ، فإذا هو عليه شملة « 3 » يخبط « 4 » نوى لعنز له حلوب ، فخبّرته بمجتمع القوم ، فأمهل حتى أكلت العنز ، ثم غسل القصعة ، وقال : يا جارية ، غدّينا ، فأتته بزيت وتمر ، قال : فدعاني فقذرته أن آكل معه ، حتى إذا قضى من أكله حاجته ، وثب إلى طين ملقى في الدار ، فغسل به يده ، ثم صاح بالجارية ، فقال : اسقني ماء ، فأتته بماء فشربه ، ومسح فضله على وجهه ، ثم قال :
الحمد للّه ، ماء الفرات بتمر البصرة بزيت الشام ، متى نؤدي شكر هذه النّعم ؟ ثم قال : علي بردائي ، فأتته برداء عدنيّ ، فارتدى به على تلك الشملة .
قال الأصمعي : فتجافيت عنه استقباحا لزيّه ، فدخل المسجد وصلى ركعتين ، ومشى إلى القوم ، فلم تبق حبوة إلا حلّت « 5 » إعظاما له ، ثم جلس ، فتحمل ما كان بين الأحياء من الديات في ماله ، وانصرف .
وكان البهلول بن راشد « 6 » الفقيه لما سجن يعطي كل يوم السجّان دينارا ،
هامش
( 1 ) يحيى بن معين : من أئمة الحديث ومؤرخي رجاله وسيد الحفاظ ( كما قال الذهبي ) وإمام الجرح والتعديل ( كما قال العسقلاني ) وأعلمنا بالرجال ( كما قال أحمد بن حنبل ) قال : كتبت بيدي ألف ألف حديث ، وكان أبوه قد خلف له ثروة طائلة أنفقها في طلب الحديث ، مات سنة 233 ه ( الأعلام 8 / 172 ) .
( 2 ) المطلب بن عبد اللّه الخزاعي : كان واليا حيث ولي أمر مصر للمأمون سنة 198 .
( 3 ) الشملة : كساء يلتف به .
( 4 ) يخبط : يدقّ .
( 5 ) حل الحبوة : كناية عن القيام يقال فلان حل حبوته : أي قام ، وعقد حبوته ، أي قعد .
( 6 ) البهلول بن راشد : من علماء القيروان وزهادها ، وأما سبب سجنه : فإن أمير أفريقية في زمانه ( محمد العكي ) كان يلاطف الطاغية ( ملك أسبانيا ) فطلب الطاغية من الأمير حديدا وسلاحا ونحاسا ، فعزم على ذلك ، فلما علم البهلول ، عارض العكي ، فبعث إليه من قيده وضربه وحبسه ، فبقي أثر السياط في جسمه وكان ذلك سبب موته سنة 183 ه ( الأعلام - الزركلي 2 / 77 ) .