أمير المؤمنين : لو فرقتها في المسلمين لأصلحت بها من شأنهم فقال : مه « 1 » يا قنبر فإني سمعت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يقول : « الشكر والمن أثنى عليكم وإذا أتاكم كريم قوم فأكرموه » « 2 » .
وقال مطرّف بن الشّخّير « 3 » : إذا أراد أحدكم مني حاجة فليرفعها في رقعة ، فإني أكره أن أرى في وجهه ذل الحاجة .
قرئ على القاضي أبي الوليد « 4 » وأنا أسمع :
وآمرة بالبخل قلت لها اقصري * فليس إليه ما حييت سبيل
أرى النّاس خلّان الكرام ولا أرى * بخيلا له في العالمين خليل
وإنّى رأيت البخل يرزي بأهله * فأكرمت نفسي أن يقال بخيل
ومن خير حالات الفتى لو علمته * إذا نال خيرا أن يكون ينيل
ولعروة بن الورد « 5 » :
وإنّي امرؤ عافي إنائي شركة * وأنت امرؤ عافي إناءك واحد « 6 »
أتضحك منّي أن سمنت وأن ترى * بجسمي شحوب الحقّ والحقّ جاهد
أقسّم جسمي في جسوم كثيرة * وأحسو قراح الماء والماء بارد
وقال بعض الحكماء : أصل المحاسن كلها الكرم ، وأصل الكرم نزاهة النفس عن الحرام ، وسخاؤها بما ملكت على الخاص والعام ، وجميع خصال الخير من فروعه .
وروي : أنه كان عند البهلول بن راشد طعام ، فغلا السعر ، فأمر به فبيع له ، ثم أمر أن يشتري له ربع القفيز « 7 » فقيل له : تبيع وتشتري ؟ فقال : نفرح إذا فرح الناس ونحزن كما حزنوا .
هامش
( 1 ) مه : اسم فعل مبني على السكون بمعنى : انكفف .
( 2 ) حديث « إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه » رواه ابن ماجة ، والطبراني ، وابن عدي في الكامل ، والبيهقي في شعب الإيمان ، والحاكم في المستدرك ؛ والحديث صحيح ( الجامع الصغير 345 ) . :
( 3 ) مطرف بن الشخير : أبو عبد الله ، زاهد من كبار التابعين ، له كلمات مأثورة في الحكمة ، وهو من رواة الحديث الثقاة توفي سنة 87 ه . ( الأعلام ج 7 / ص 250 ) .
( 4 ) هو أبو الوليد الباجي صديق ومعلم الطرطوشي وقد سبقت ترجمته .
( 5 ) عروة بن الورد بن زيد العبسي : من شعراء الجاهلية وفرسانها وأجوادها وكان يلقب بعروة الصعاليك ، لجمعه إياهم ، مات نحو 30 قبل الهجرة .
( 6 ) أي اجعل غيري شريكا لي في الإناء المملوء لبنا أو غيره وأنت تستأثر بإنائك لوحدك .
( 7 ) القفيز : مكيال .