فقلت : زال عنّا الملك ، فقلّ أنصارنا ، وانتصرنا بقوم من الأعاجم دخلوا ديننا ، ولنا عبيد وأتباع فعلوا ذلك على كره منا ، فأطرق مليّا - يقلّب كفّيه وينكت في الأرض - ثم قال : ليس كما ذكرت ، بل أنتم قوم استحللتم ما حرم الله ، وظلمتم فيما ملكتم ، فسلبكم الله العزّ بذنوبكم ، ولله فيكم نقمة لم تبلغ غايتها ، وأخاف أن يحلّ بكم العذاب وأنتم ببلدي فيصيبنى معكم ، وإنّما الضيافة ثلاثة أيام ، فتزوّدوا ما احتجتم إليه ، وارتحلوا عن بلدي . فتزودنا وارتحلنا .
وسئل بزرجمهر « 1 » : ما بال ملك آل ساسان « 2 » صار إلى ما صار إليه ، بعد أن كان فيه من قوّة السلطان ، وشدّة الأركان ؟ فقال : ذلك لأنهم قلّدوا كبار الأعمال صغار الرجال .
وعن هذا قالت الحكماء : موت ألف من العلية « 3 » ، أقلّ ضررا من ارتفاع واحد من السّفلة .
وفي الأمثال : إن زوال الدول باصطناع السّفل .
وقال الشافعي « 4 » رضي الله عنه : أظلم الناس لنفسه اللئيم ، إذا ارتفع جفا أقاربه ، وأنكر معارفه ، واستخفّ بالأشراف ، وتكبّر على ذوي الفضل .
وسئل بعض الملوك - بعد زوال ملكه - ما الذي سلبك ملكك ؟ قال :
إعطاؤنا من بطر وطغى ، ورفع عمل اليوم لغد .
وسئل بعض الملوك - بعد أن سلبوا ملكهم - ما الذي سلب عزّكم ، وهدم ملككم ؟ فقال : شغلتنا لذّاتنا عن التفرّغ لمهماتنا . ووثقنا بكفاتنا « 5 » فآثروا مرافقهم علينا . وظلم عمّالنا رعيّتنا فانفسدت نيّاتهم لنا ، وتمنّوا الراحة منا .
هامش
( 1 ) بزرجمهر : من حكماء الفرس وكان وزيرا لأنوشروان .
( 2 ) آل ساسان : ملوك الفرس .
( 3 ) العلية : أي علية القوم وأمراؤهم .
( 4 ) الإمام الشافعي : محمد بن إدريس ، ولد في غزّة بفلسطين ، ونشأ في مكة ، ودرس على الإمام مالك في المدينة ، وهو إمام ومؤسس المذهب الشافعي ( أحد المذاهب الفقهية الأربعة ) ، توفي في مصر سنة 204 ه ، وقبره معروف في القاهرة بسفح جبل المقطم ، ( الأعلام 6 / 26 ) .
( 5 ) كفاتنا : من يقومون مقامنا .