وحمل على أهل خراجنا « 1 » فقلّ دخلنا وبطل عطاء عبيدنا ، فزالت الطاعة منهم لنا . وقصدنا عدوّنا فقلّ ناصرنا . وكان أعظم ما زال به ملكنا ، استتار الأخبار عنّا .
وقالت الحكماء : أسرع الخصال في هدم السلطان ، وأعظمها وأسرعها في إفساده وتفريق الجمع عنه ، إظهار المحاباة « 2 » لقوم دون قوم ، والميل إلى قبيلة دون قبيلة ، فمتى أعلن بحب قبيلة ، فقد برئ من قبائل ، وقديما قيل :
المحاباة مفسدة .
وقال مهيوذ الموبذان « 3 » : من زوال السلطان : تقريب من ينبغي أن يباعد ، ومباعدة من ينبغي أن يقرّب ، وحينئذ حان أوان الغدر .
وقيل لملك بعد ذهاب ملكه : ما الذي أذهب ملككم ؟ قال : ثقتي بدولتي ، واستبدادي بمعرفتي ، وإغفالي استشارتي ، وإعجابي بشدّتي ، وإضاعتي الحيلة وقت حاجتي ، والتأنّي عند العجلة .
ولما أحيط بمروان الجعدي « 4 » وهو آخر ملوك بنى أمية ، قال : يا لهفاه على دولة ما نصرت وكفّ ما ظفرت ، ونعمة ما شكرت ، فقال له خادمه ( نسيل ) - وكان من أولاد أشراف الروم - : من أغفل الصغير حتى يكبر ، والقليل حتى يكثر ، والخفيّ حتى يظهر ، أصابه مثل هذا .
وسئل بعض العلماء : ما الذي أذهب ملك بني مروان ؟ « 5 » : قال : تحاسد الأكفاء ، وانقطاع الأخبار ، وذلك أن يزيد بن عمر « 6 » كان يحب أن يضع من
هامش
( 1 ) حمل على أهل الخراج : الخراج الجزية أو المال المفروض على الأرض ، ومعنى حمل عليهم أي أثقل عليهم .
( 2 ) حابى محاباة وحباء الرجل : أي نصره ومال إليه واختصه دون سواه .
( 3 ) الموبذان : كلمة فارسية وتعني القاضي أو رئيس القوم .
( 4 ) يقصد مروان بن محمد ( مروان الحمار ) ، آخر خلفاء بنى أميّة ، قتل سنة 132 ه ، وكان يلقّب بمروان الجعدي نسبة إلى معلمه الجعد بن درهم . ( سبقت ترجمته ) .
( 5 ) في ( خ ) ملك بنى أمية .
( 6 ) في ( ط ) زيد بن عمر خطأ ، والمقصود يزيد بن عمر بن هبيرة من بنى فزارة ، قائد وأمير جمعت له ولاية العراق أيام مروان بن محمد ، قاتله العباسيون حتى تعبوا ثم أعطوه الأمان ، ولكن السفاح نقض عهده معه وبعث إليه من قتله سنة 132 ه ، ( الأعلام 8 / 185 ) .