حكمه ، فعادت الحكمة البالغة إلى الله تعالى ، والحكم بما أنزل الله ، وبطل ما سواه ، وكان ملكهم محفوظا برعاياتهم للقوانين المألوفة بينهم ، فانقطع بذلك حبل الهمل « 1 » ، فكانوا يقيمون بها واجب الحقوق ، ويتعاطون بها ما لهم وما عليهم ، ومن هذا كان يقال : إن السلطان الكافر الحافظ لشرائط السياسة الإصلاحية ، أبقى وأقوى من السلطان المؤمن العدل في نفسه ، المضيّع للسياسة النبوية العدلية ، والجور المرتب أبقى من العدل المهمل ، إذ لا شيء أصلح لأمر السلطان من ترتيب الأمور ، ولا شيء أفسد له من إهمالها .
واعلم أن درهما يؤخذ من الرّعية ، على وجه الإهمال والخرق « 2 » - وإن كان عدلا - أفسد لقلوبها من عشرة تؤخذ منها سياسية على زمام معروف ، ورسم مألوف ، وإن كان جورا ، فلا يقوم السلطان لأهل الإيمان ولا لأهل الكفران إلا بإقامة العدل النبوي ، وما يشبه العدل من الترتيب الاصطلاحي .
وقال ابن المقفع « 3 » : الملوك ثلاثة : ملك دين ، وملك حزم ، وملك هوى .
فأما ملك الدين : فإنه إذا أقام لأهل المملكة دينهم كانوا راضيين ، وكان السّاخط فيهم بمنزلة الراضي .
وأما ملك الحزم : فيقوم به الأمر ، ولا يسلم من الطعن والسخط ، ولن يضر طعن الذليل مع حزم القويّ .
وأما ملك الهوى : فلعب ساعة ودمار دهر .
ولقد بلغنا أن ملكا من ملوك الهند نزل به صمم ، فأصبح موجعا مهتمّا بأمور المظلومين ، وأنه لا يسمع استغاثتهم ، فأمر مناديه أن لا يلبس في مملكته ثوبا أحمر إلا مظلوم ، وقال : لئن منعت سمعي لم أمنع بصرى ، فكان كل من ظلم لبس ثوبا أحمر ووقف تحت قصره ، فكشف عن ظلامته .
هامش
( 1 ) الهمل : الإهمال .
( 2 ) الخرق : سوء التصرف والجهل .
( 3 ) عبد اللّه بن المقفع : مؤلف عربي فارسي الأصل ولد في العراق سنة 106 ه ، كان مجوسيّا وأسلم فتسمى عبد الله وكني بأبى محمد ، ولقب بالمقفع لأن الحجاج ضربه حتى تقفعت يداه . وهو من من أئمة الكتاب ، ترجم كتب أرسطو الثلاثة في المنطق للخليفة المنصور ، وترجم عن الفارسية كتاب « كليلة ودمنة » ، اتّهم بالزندقة فقتله أمير البصرة بأمر من المنصور سنة 138 ه . ( الأعلام 4 / 140 ، وفيات الأعيان 2 / 151 ) .