والسنة الضوئية تعادل عشرات ملايين الملايين من الكيلومترات ] « 1 » فما بال أبعد مجرات السماء منا ؟ وليت شعري هل هناك مجرة بالذات يقال لها : إنها أبعد المجرات منا وأنه ليس وراءها ما هو أبعد منها ؟ أم هو كون غير ذي حدود ، وغير ذي نهايات ؟ تضل العقول في فهم كنهه ، ويطير رشدها ، وصوابها لو حاولت إدراكه والوقوف على حقيقة ؟
أقول : من قدر على أن يبدع هذا الكون كله من العدم ، وينشئه كله من لا شئ ، لا يليق بنا أن يساورنا أدنى شك في قدرته على أن يعيد الإنسان ويبعثه بعد الموت ، على فرض أن الموت فناء لا تفريق ، وأن البعث إعادة للمعدوم ، لا جمع للمتفرق وتركيب له .
وفي محيط هذه القدرة الخالقة التي اعترف بها العلم للإله ، نتيجة للوقوف على ما أودع في الكون من أسرار تشهد بخالقية الخالق ، وقدرته وكماله ، يتضاءل إلى حد العدم قول أولئكم الفلاسفة الطبيعيين الذين نقل الغزالي عنهم فيما مر « 2 » ، [ أنه لا يعقل إعادة المعدوم ] .
فمن أي طريق يجئ عدم عقليته ؟
أمن جهة القادر الذي تكشف للعلماء الذين اقتبسنا من آرائهم نتفا فيما سبق ما يدل على أن قدرته لا تعرف العجز ، وليس لها من حد تقف عنده ؟
أم من جهة الإنسان الميت الذي كان موجودا ثم انعدم ؟ وما ذا عسى يكونه ذلك الإنسان بالقياس إلى العالم الذي يبعد بعض أجزائه القريبة عن بعضها الآخر بما يقدر بسبعمائة ألف سنة ضوئية ، كل سنة منها تقدر بعشرات ملايين الملاييين من الكيلو مترات ؟
لا هذا ولا ذاك يصح أن يكون سببا للحكم بعدم عقلية إعادة المعدوم ، فالبعث حق ثابت ، سواء قلنا :
إنه جمع عن تفريق .
أو إعادة للمعدوم .
هامش
( 1 ) ص 166 من كتاب « اللّه يتجلى في عصر العلم » .
( 2 ) ص 30 .