وعدم تجلى ذلك الإدراك لا يدل على استحالته .
فتوقفت النفس في جواب ذلك قليلا ، وأيدت إشكالها بالمنام وقالت :
أما تراك تعتقد في النوم أمورا ، وتتخيل أحوالها ، وتعتقد لها ثباتا واستقرارا ولا تشك في تلك الحالة فيها ؟ ثم تستيقظ ، فتعلم أنه لم يكن لجميع متخيلاتك أصل وطائل .
فبم تأمن أن يكون جميع ما تعتقده في يقظتك بحس أو عقل ، هو بالإضافة إلى حالتك التي أنت فيها ؟
لكن يمكن أن تطرأ عليك حالة تكون نسبتها إلى يقظتك كنسبة يقظتك إلى منامك وتكون يقظتك نوما بالإضافة إليها .
فإذا وردت تلك الحالة تيقنت أن جميع ما توهمت خيالات لا حاصل لها .
ولعل تلك الحالة ما تدعيه الصوفية أنها حالتهم إذ يزعمون أنهم يشاهدون في أحوالهم التي لهم ، إذا غاصوا في أنفسهم ، وغابوا عن حواسهم ، أحوالا لا توافق هذه المعقولات .
ولعل تلك الحالة هي الموت : إذ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :
« الناس نيام ، فإذا ماتوا انتبهوا » .
فلعل الحياة الدنيا نوم بالإضافة إلى الآخرة ، فإذا مات المرء ظهرت له الأشياء على خلاف ما يشاهده الآن ، ويقال له عند ذلك :
« فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد »
فلما خطرت لي هذه الخواطر ، وانقدحت في النفس ، حاولت لذلك علاجا فلم يتيسر ؛ إذ لم يمكن دفعه إلا بالدليل ، ولم يمكن نصب دليل إلا من تركيب العلوم الأولية ، فإذا لم تكن مسلمة ، لم يمكن تركيب الدليل .
فأعضل الداء ، ودام قريبا من شهرين ، أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال لا بحكم النطق والمقال ] .
ميزان العمل — صفحة 16
مساهمون: الغزالي
ص١٦