صعوبة المعيار الذي تدرك به حقائق العلوم « 1 »
كما أن للدراهم والدنانير ميزانا قد عرف أهلها صحته فلكل علم ميزان نحو الحساب للمعدودات والهندسة للممسوحات والعروض للشعر والنحو للألفاظ العربية وإلى هذا أشار بقوله تعالى :
لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ
« 2 » الآية وأوصى الذين أعطاهم الموازين فقال :
وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ
« 3 » وقال تعالى :
أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
« 4 » فكل شاك أو منازع غيره في مقدار فحقه أن يعتمد ميزانه إن عرفه ويقلد أربابه إن لم يعرفه ؛ فإن من ترك ذلك وأخذ يخرص ويحزر ويظن ويخمن لم يزل شكه ولم يسقط خلافه ؛ فالخرص قلما يصدق والظن قلما يوافق ويحقق ولذلك عبر بالخرص عن الكذب فقال تعالى :
إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ
« 5 » وقال تعالى :
قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ
« 6 » وقال تعالى في ذم الظن :
إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً
« 7 » ومعلوم أن ميزان الدين الذي صوابه يوصل إلى الثواب العظيم وخطؤه يفضى إلى العذاب الأليم أصعب الموازين وأشرفها وأولاها بالمعرفة ، وكثير في زماننا ممن تحلى بعلم الكلام وترشح فيه للجدال والخصام ورام الزعامة فيه قبل أوانها ، وطلب تحقيق موزوناته بغير ميزانها . أخذ كل
هامش
( 1 ) في نسختي ط ، د « تعرف » بدلا من « تدرك » ولا خلاف .
( 2 ) الحديد / 25 .
( 3 ) الشعراء / 182 .
( 4 ) هود / 85 .
( 5 ) الزخرف / 20 .
( 6 ) الذاريات / 10 .
( 7 ) النجم / 28 .