تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ
« 1 » إلى غير ذلك من الآيات ، وأيضا فالواعظ من الموعوظ يجري مجرى الطابع من المطبوع فكما أنه محال أن ينطبع الطين « 2 » بما ليس منتقشا في الطابع كذلك محال أن يحصل في نفس الموعوظ ما ليس بموجود في نفس الواعظ . فإذا لم يكن الواعظ إلا ذا قول مجرد من الفعل لم يتلق عنه الموعوظ إلا القول دون الفعل ، وأيضا فإن الواعظ يجري من الناس مجرى الظل من ذي الظل ، فكما أنه محال أن يعوج ذو الظل والظل مستقيم كذلك من المحال أن يعوج الواعظ والموعوظ مستقيم ، وأيضا فكل شيء له حالة يختص بها فإنه يجري غيره بإرادة منه أو غير إرادة ، كالماء الذي يحيل ما يتلقاه من العناصر إلى نفسه بقدر وسعه إلى نفسه ، وكذلك النار والأرض والهواء فالواعظ إذا كان غاويا جر بغيه غيره إلى نفسه ولهذا حكى اللّه تعالى عن الكفار قوله :
رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا
« 3 » وقال أيضا
فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ
« 4 » . فمن ترشح للوعظ ثم فعل فعلا قبيحا اقتدى به غيره فقد جمع بين وزره ووزرهم كما قال تعالى :
لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ
« 5 » وقال تعالى :
وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ
« 6 » الآية وقد قال عليه السّلام : « من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها يوم القيامة » « 7 » بل قد قال اللّه تعالى :
وَهُمْ يَحْمِلُونَ
هامش
( 1 ) الصف / 2 .
( 2 ) « من المطبوع فكما أنه محال أن ينطبع الطين » سقط من ط .
( 3 ) القصص / 63 .
( 4 ) الصافات / 32 .
( 5 ) النحل / 25 .
( 6 ) العنكبوت / 13 .
( 7 ) جزء من حديث رواه مسلم بلفظ « ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده -