اللّه عز وجل في غير آية من كتابه على إحياء الموتى بالأرض ، تكون حية تنبت وتنمى وتثمر ثم تموت فتصير إلى أن لّا تنبت ، وتبقى خاشعة هامدة ، ثم تحيى فتصير إلى أن تنبت وتنمى ، وهو الفاعل لحياتها وموتها ، ثم حياتها ، فإذا قدر على ذلك لم يعجزه أن يميت الإنسان ، ويسلبه معاني الحياة ، ثم يعيدها إليه ، ويجعله كما كان .
ونبّهنا على إحياء النطفة التي هي ميتة ، وخلق الحيوان منها على قدرته على إحياء الموتى فقال عز وجل :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ
[ البقرة : 28 ] .
يعني نطفا في الأصلاب والأرحام ، فخلقكم منها بشرا تنتشرون . وقال تعالى :
أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ
[ المرسلات : 20 - 23 ] .
فأعلمهم أنّه إذا أخرج النطفة من صلب الأب فهي ميتة ، ثمّ انه جلّ ثناؤه جعلها حيّة في رحم الأم ، يخلق من يخلق منها ، ويركب الحياة فيه فهذه إحياء ميتة في المشاهدة ، فمن يقدر على هذا لا يعجز عن أن يميت هذا الخلق ، ثمّ يعيده حيّا . ثم بسط هذا المعنى في آية أخرى .
فقال :
أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ، ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى
[ القيامة : 37 - 40 ] .
ونبّهنا على ذلك بخلق الحبّ والنّوى فقال عز من قائل :
إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ
[ الأنعام : 95 ] .
وذلك أن الحب إذا جفّ ويبس بعد انتهاء تمامه ، وقع اليأس من ازدياده ، فكذلك النّوى إذا تناهى عظمه وجفّ ويبس كانا ميّتين ، ثم إنهما إذا أودعا الأرض الحيّة فلقهما اللّه تعالى ، وأخرج منهما ما يشاهد من النخل والزرع حيّا