الفصل الثالث في الاستدلال بالحركة على الصانع وانها اظهر الأشياء وأولاها بالدلالة عليه جل وعزّ
قد قلنا إن الأجسام الطبيعية أقرب الأشياء التي يبحث عنها إلينا لأننا بعضها ومناسبون لها ، وكذلك نحسّها بالحواس الخمس وذاك ان كل حاسة انما تحس من الأمور بما لاءمها ، لان لكل حاسة اعتدالا موضوعا لها فإذا ورد عليه من جنسه ما يخالفه بكيفية ما أحس به ، مثال ذلك ان الذوق يحس بالرطوبة للرطوبة المخالفة ، والسمع يحس بالهواء للهواء المخالف ، واللمس يحس بالأرض للأرض ، والبصر بشعاع ناري لشعاع ناري - كذا - فاما الشم وهو الخامس فإنه مركب لأنه ادراك البخار والبخار مركب من الهواء والماء ، وينبغي ان يذكر حال واحدة منها ليستدل بها على أحوال الباقيات فأقول : ان الهواء الموضوع لتجويف الاذن له اعتدال موافق لقبوله ، فإذا تغير بهواء آخر يطرقه مما فيه حركة واقراع أحس به الانسان .
وكذلك حال الرطوبة الموضوعة للسان . وأقول الآن ان لكل جسم طبيعي حركة تخصه ، وذلك ان الجسم ما كان منه موجودا وما كان منه متكونا فإنما قوامه بصورته الخاصة وصورته الخاصة به هي المقومة لذاته وذاته هي طبيعته ، وطبيعته هي مبدأ حركته الخاصة به وهي التي تحركه إلى تمامه ، وتمام كل شيء هو ما لاءمه ووافقه . وكذلك كل