من أهل الحكمة ووقف به حيث وقفوا ، ورأى ما رآه الحكماء ودعا إليه الأنبياء عليهم السّلام . فان جميعهم انما أمروا بالتوحيد ولزوم احكام العدل وإقامة السياسات الإلهية بالأزمنة والأحوال ، وحملوا الخواص من الناس على طريقة الأدب والفهم . فان الأنبياء صلوات اللّه عليهم منزلتهم من نفوس الناس منزلة الأطباء من الأبدان ، فهم يعالجون الناس معالجة الأطباء للمرضى . وذلك ان كثيرا من المرضى يحتاج ان يعالج بالكره ، وربما هدّد بالضرب بل ربما أوقع به ليقبل ما ينفعه إذا لم يكن هناك منه فهم لما يشير به الطبيب ، ولذلك لا يشتغل معه بذكر العلة التي من اجلها يناول المكروه ويمنع المحبوب ، لان جدوى ذلك عليه قليلة ولأن فهمه بعد عن تحصيله . وكما أن كثيرا من المرضى إذا برأ على تدبير الطبيب يحمله الهوى على التأويل لشهواته فيخرج له طريقا من مصالحه وان كانت ضارة له .
كذلك حال كثير من أهل النظر تحملهم العادات واستثقال ما ذكرته من فطام النفس عن أحكام الحس وصعوبة النظر بمجرد العقل على تأويل ما امر به الحكيم وشرعه الرسول عليه السّلام . لا سيما ان انضاف إلى ذلك حب غلبة أو طلب رياسة ، فيردونه إلى الامر الأسهل الأقرب معما فيه من نيل اللذة ، ثم يجدون لا محالة انبعاثا على ذلك التأويل وحده مسترعين أحوالهم ، فحينئذ يكثر الخلاف وتفترق الناس ويتأول من استطاع التأويل لنفسه مذهبا في الشهوات ، ويضطرون إلى ثلب من خالفهم ومنقصته والخروج من ذلك إلى عداوته ومحاربته ، وسنورد بمنة اللّه من الحجج البالغة على
الفوز الأصغر — صفحة 18
مساهمون: أحمد بن محمد مسكويه الرازي
ص١٨