فأقول : [ حكم من المولف ]
كل إنسان يحب نفسه ، وكل من أحب شيئا أحب أن يحسن [ 10 ا ] إليه . فليت شعري عمن لا يعرف نفسه « 1 » كيف يحسن إليها ! ومن لا يعرف طريق الإحسان كيف يسلكه !
ولقد سمعت وزيرا من وزراء عصرنا ، وقد أقام لنفسه وظيفة استفره « 2 » فيها طباخه وصاحب شرابه « 3 » ، وزين كل يوم « 4 » مجلسه بريحان الوقت « 5 » وفاكهته ، وأحضر - اليوم الذي دعاني فيه - من أغانيه ما كان يعجبه ويطرب له ، فقال في عرض كلامه : إن عشت فسأحسن « 6 » إلى نفسي . فتدبرت كلامه وفعاله ، وإذا « 7 » هو لا يدرى كيف يحسن إلى نفسه ، ولا يفرق بين الإحسان إلى بدنه بركوب الشهوات ، وبين الإحسان إلى نفسه بمعرفة الحقائق والتقرب إلى اللّه تعالى « 8 » بأنواع القربات . فكان من عاقبة أمره أن حسده نظراؤه فأزالوه عن موضعه ، ونكبوه في نعمته ، وأشمتوا به أعداءه ، ثم وقع في أمراض لم يجنها عليه إلا انهماكه في مطعمه ومشربه وتمكنه من نيل لذاته .
ثم أقول أيضا : لو كانت معرفة النفس أمرا سهلا ما تعبت « 9 » لها الحكماء ، ولا تبرمت « 10 » بها الجهال ، ولما أنزل في الوحي القديم :
« يا إنسان ! اعرف ذاتك » ؛ وقد « 11 » قال اللّه - عز من قائل « 12 » - :
« يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ! ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ
« 13 »
. . . »
إلى آخر الآية .
وروينا في الخبر « 14 » الصحيح أن : « من عرف نفسه عرف ربه » . وفي حديث
هامش
( 1 ) ص ، ط : كيف لا يحسن - وهو تحريف ؛ وما أثبتناه ورد في ف .
( 2 ) أي اختار الطباخ وصاحب الشراب حاذقين .
( 3 ) شرابه : ساقطة في ف .
( 4 ) ط : وزين مجلسه كل يوم . . .
( 5 ) الواو ناقصة في ص .
( 6 ) ف : فأحسن .
( 7 ) ف : فإذا .
( 8 ) ط : عز وجل .
( 9 ) ص : تعتب - ف : ما تعنت به .
( 10 ) ف : به .
( 11 ) قد : ساقطة في ف .
( 12 ) ط : في محكم كتابه ، وكنا في ف .
( 13 ) سورة « الضحى » : آية 27 - 30 .
( 14 ) ص : الخير .