تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
ولما كان ذلك كذلك ، زالت الشّبهة والإنكار لوجود معرفة ذلك السبب الموجب الاجتماع ، ووجب للطالب إذا طلب معرفة ذلك السبب ، ومن بعد وجود اجتماعها حصول افتراقهما ووجود أحدهما بجملة ، وعدم الآخر وتفرقته ، وإذا عرفت ذلك بان لك الفرق بين الجسم والعرض ، وأدركت المراد والغرض . وسأبين من ذلك طرفا يعينك على ذلك ، ويبلغك إلى معرفة ما وصفت لك ، إذ قد فرغنا من ذلك ، رجعنا إلى الإبانة عن تركيب الأصوات واختلاف اللغات ، ومبادئ الخطوط والكتابات والألفاظ والعبارات واستخراج الحروف والمؤلّفات ، ومن أين تخرّجت وعمن أحدثت ، وفي أي مكان وجدت ، واللّه وليّ التوفيق .

فصل

ثم اعلم أنه لما سرت القوة النفسانية في الجسم الذي هو العالم بأسره بعد كونها لا سريان لها ، ساكنة في حظيرة القدس في روضة الأنس ، حيث سريان القوة العلوية فيها وإشراقها عليها ، وكونها مرتّبة بحيث رتّبها باريها كما قال تعالى :
« وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى »
وهي الكون في وقت الابتداء . فلما امتلأت من الفضائل والخيرات وما بلغ إليها من الإفاضة ، وكانت ذات فكر وتخيّل ، فتفكّرت ثم تخيّلت ، ثم نظرت ، فأرادت أن تكون ذات منّة وتفضّل ، وأن تكون رئاسة ونفاسة ، وأن تكون مفيدة ، فبدا لها في ذلك التخيّل الذي تخيلته ، والمثال الذي مثلته ، وانبثّ السريان فيه والارتباط به من جسم العالم ، ومكّنها اللّه تعالى من ذلك وجعله جسدا لها ، وأراها خلاف ما ظنّته ، فلما دارت أفلاكه وسارت أملاكه ، وزهرت كواكبه ، وبدت عجائبه ، أقبلت تمثّل فيه ما كان ممثّلا فيها ، وتخرجه من القوّة إلى الفعل ، ومن المعقول إلى المحسوس ، الشيء بعد الشيء ، ثم إن
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 88 | إخوان الصفاء