جعفر الغبيّ أمير ؟ وعبد اللّه الحكيم حقير ؟ ولم هذا الرجل ضعيف ، والآخر قوي صحيح ؟ ولم هذه الدودة صغيرة ، وهذا الجمل كبير ؟ ولم الفيل ، مع كبر جثته ، له أربع قوائم ، والبقّ ، مع صغر جثته ، له ست أرجل وجناحان ؟ ولما ذا يصلح البقّ والذّباب والقردان والبراغيث ؟ وأي فائدة في خلق الخنازير والوزغ « 1 » ؟ وأي حكمة في خلق العقارب والحيّات ؟ وما شاكل ذلك من المسائل التي لا يحصي عددها إلّا اللّه ولا يعلم سواه عللها .
فأما الإنسان فإنه لا يعرف الحكمة في عللها إلّا بعد النظر في العلوم الإلهية ، وهو لا يعرف إلّا بعد النظر والتفكّر في الأمور الطبيعية ، وهو لا يعرف إلّا بعد النظر في الأمور المعقولة ، وهو لا يعرف إلّا بعد النظر والتفكّر في الأمور المحسوسة . فمن لم يكن مرتاضا بهذه العلوم والمعارف ، ولا متأدبا بها ، ولا صافي النفس ، ولا صالح الأخلاق ، فيبتدئ أولا بطلب الأمور المشكلة التي تقدم ذكرها فلا يدركها ولا يعقلها ، فيرجع عند ذلك خاسرا متفكّرا متحيّرا غافلا بنفسه ، وسواسا في قلبه ، فينظر عند ذلك إلى أمر العالم مهملا ، والكائنات باتفاق لا بعناية حكيم ، ولا صنع صانع عليم ، أو نظر إلى أن رب العالمين غافل عن أمر عالمه ، حتى يجري فيه ما لا يليق بالحكمة ، أو يظن أنه لا يعلم ما يجري فيه ، أو أنه لا يفكر في هذه الأمور الجزئية ولا يهمه ، أو يظن أنه قاس قليل الرحمة والنظر لضعفاء الخلق ؛ أو أنه جائر في قضائه وأحكامه ، متعب لخلقه ، مفرط في تقديره ، غير عدل ولا حكيم في كثير من أفعاله ، لا يرحم الضعيف ، وما شاكل هذه من الظنون والشكوك والحيرة والضلال الذي قد تاهت في طلب معرفته عقول كثير من العقلاء المتقدّمين المرتاضين بالعلوم الحكمية ، فكيف غيرهم ممن ليست له رياضة ولا معرفة بحقائق الأسرار المعروفة . وقيل إن حكيم الفرس بزرجمهر لما تفكّر في هذه الأمور
هامش
( 1 ) الوزغ : جمع وزغة ، وهي المعروفة بسامّ أبرص ، وأبي بريص .