وأفضل أعمال الخواصّ التفكّر والاعتبار بتصاريف أمور المحسوسات والمعقولات ، وبخاصّة ما يتعلق بالدين . وقد قيل : أفضل أعمال الخير خصلة واحدة وهي التفكر . قال اللّه تعالى :
« قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا »
.
ثم اعلم أن الإنسان ، إذا عقل الأمور المحسوسة وعرفها ، وتفكر في الأمور العقلية وبحث عنها وعن عللها ، استقبلته عند ذلك طريقتان : إحداهما ، ذات اليمين ، تؤدّيه إلى الهداية والرّشاد ، والأخرى ، ذات الشّمال ، تؤدّيه إلى الغيّ والضلال . وذلك أن أمور العالم نوعان : كليات وجزئيات لا غير .
فإذا أخذ الإنسان يفكر في كلياتها ، ويعتبر أحوالها وتصاريفها ، ويبحث عن الحكمة فيها بانت له ، وأمكنه أن يعرفها بحقائقها وأرشد إليها ، فكلما تقدم فيه زاد هداية ويقينا ونورا واستبصارا وتحقّقا ، وازداد من اللّه قربا وكرامة . وإذا أخذ يتفكّر في جزئياتها ، والبحث عنها وعن عللها ، خفيت وانغلقت مناحيها ، وكلما ازداد تفكرا ازداد تحيرا وشكوكا ومن اللّه بعدا ، وكان قلبه من أجل ذلك في عذاب أليم .
مثال ذلك أنه إذا ابتدأ الإنسان أولا وتفكر في نفسه ، ونظر إلى بنية هيكله ونفسه ، وكيفيّة تركيب جسده ، وكيف كان أولا في صلب أبيه ماء مهينا ، ثم كيف صار نطفة في قرار مكين ، ثم كيف صار مضغة ، ثم كيف كسا العظام لحما ، ثم كيف صار جنينا بعد أطوار متعاقبة ، ثم كيف قبلت فتيلة جسده نور شعاع فيض روح القدس الإلهي ، ثم كيف أخرج من الرّحم الذي هو عالم كونه إلى الدنيا التي هي عالم آخرته ، ثم كيف صار طفلا حسّاسا ، ثم كيف تربّى وهو طفل صبي جاهل ، ثم كيف نشأ وصار شابّا عالما أو جاهلا ، ثم كيف صار رجلا عالما فيلسوفا حكيما مدبّرا متملكا على ما ملك ، ثم كيف صار زاهدا عابدا ، ثم ، إن طال عمره ، كيف يرجع كما كان بديّا ضعيفا ذاهب القوة ، ثم كيف ظهر بعد