تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 502

مساهمون:

ص٥٠٢
عن عيوب نفسه ، لأن نفسه أحبّ الأشياء ، وحب الشيء يعمي ويصمّ » . ثم اعلم أن العلوم أجناس كثيرة ، ولكل جنس أنواع متفننة ، وكل نوع منها بحرز آخر ، وأهل كل علم متفاوتو الدرجات فيها : مبتدئ متعلم ، وعالم راسخ ، وما بينهما من الطبقات . ولأهل كل علم ومذهب أدلّة قد نصبها لهم الباري تعالى ، فهم يصيبون ويخطئون في أحكامهم والاستدلال بها ، فمقلّ ومكثر . كل ذلك بحسب قوى نفوسهم ، وطول دربتهم ، ودقّة نظرهم فيها . ولا يظن أن الصناعة تبطل ، أو تكون الأدلّة غير صحيحة من أجل خطاياهم وزلتهم في الاستدلالات ! فعلم النجوم وأدلّتها صحيحة وحقّ ، وهي الأشخاص الفلكية التي نصبها الباري تعالى ، وأجراها مجاريها . وإن كان المنجمون يخطئون في بعض استدلالاتهم أو في أكثرها ، فلا تبطل صناعة علم النجوم من أجل ذلك ، وهو علم جعله اللّه تعالى معجزة لإدريس النبي ، آمن به ملك زمانه . وله قصة يطول شرحها . كذلك الطّبّ صناعة ، فإن دلالته صحيحة ، وقد يصيب الأطباء ويخطئون في قضاياهم باستدلالاتهم التي نصبوها في أكثرها ، فلا تبطل صناعة الطب من أجل ذلك ، والأدلّة التي نصبها الباري سبحانه وتعالى هي اختلاف حركات النّبض وأصباغ البول ، وتغيّر أحوال المريض للعلل . وهكذا أيضا الفقهاء والحكام والمفتون في أحكام الدين من الحلال والحرام قد يصيبون ويخطئون في قضاياهم واستدلالاتهم التي نصبها لهم الباري من آيات كتبه المنزلة ، وسنن أحكام الشريعة ، ومفروضات النواميس الإلهية ، فخطؤهم وزللهم لا يبطل العلم والصناعة والأدلّة المنصوبة ، ولكن التقصير والعجز موكولان بالإنسان لنقصه عن التمام . ثم اعلم أن مسألة الوعيد هي أيضا إحدى أمهات مسائل الخلاف بين العلماء ، وذلك أن منهم من يرى ويعتقد أنه واجب في حكم اللّه وعدله أن يفي بوعيده كما وفي بوعده ، لأنه إن لم يفعل كان كاذبا ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا .