تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 498

مساهمون:

ص٤٩٨
« تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ »
. وقوله :
« بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى »
. وقال : « والآخرة خير لك من الأولى » .

فصل في مسألة الجبر

فنقول : اعلم أن مسألة الجبر هي أيضا من إحدى مسائل الخلاف بين الناس ، المنبثّة منها الآراء والمذاهب : وذلك أنه منذ كان العلماء وأهل الجدل هم فيها مختلفون فيما مضى من الأزمان والدهور ، وهم طائفتان : الجبريّة والقدريّة . فأما الجبريّة فإن الذي أدّاهم إلى ما يعتقدون في هذه المسألة هو نظرهم واعتبارهم عواقب الأمور وخواتيمها ، وذلك أنهم لما تبيّن لهم أن الأمور كلها التي تخرج إلى الكون والفساد والوجود والعدم فعلى ما في مقدور اللّه وسابق علمه ، لا يكون خلاف ذلك شيء . وزعموا عند ذلك وظنوا أنهم لا يقدرون على شيء من الأفعال التي تظهر على أيديهم ، ولا يستطيعون الامتناع عن شيء من ذلك ، ولا الترك لها بالحقيقة ، ونسبوها كلّها إلى القضاء والقدر . وأما خصماؤهم ومخالفوهم فكان نظرهم واعتبارهم في هذه المسألة الأوامر والنواهي والمدح والذمّ والوعد والوعيد المتوجهة على الإنسان العاقل المستطيع . ورأوا أنه محجوج بها ، مزاح العلة فيها ، وليس له أن يحتج على أحد ، لا عند اللّه ولا عند الناس ، بالقضاء والقدر ، وعلم اللّه السابق في الكائنات ، لأنه لا يدري أحد في مبدأ أمره وأول أفعاله قضاء اللّه وقدره وعلمه السابق ، وإنما تبيّن له ذلك بعد فراغه مما قد فعل أو ترك ما أمر اللّه به . وهذا النظر نظر أولئك واعتبارهم ، فلا جرم أن المسألة قائمة بحالها ، والخلاف باق ، والحكومة لم تنفصل إلى يومنا هذا ، بل كلما ازدادوا فيها نظرا واعتبار وبحثا وجدالا ، ازدادوا خلافا على خلاف إلى يوم القيامة