مركّب من هيولى وصورة ، إذا تأمّل جزئياته من الأفلاك والأركان والموّلدات والمصنوعات ، وذلك أن في كل مصنوع آثار الصنعة باقية فيه ، يضطر العقل الغريزي إلى الإقرار به ، وإن لم يعلم متى عمل ؟ وكيف عمل ؟
ولم عمل ؟ ومن عمل ؟
وأما حدوث الهيولى فليس يعلم بهذا العقل الغريزي ، ولكن بالعقل المكتسب ، والعقلاء متفاوتو الدرجات في هذا العقل كتفاوتهم في العقل الغريزي
« وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ »
. وذلك أن كل من كان أكثر تأمّلا ، وأكثر رياضات للمعقولات الغريزيّة المأخوذة أوائلها من المحسوسات ، وأصفى نفسا ، كان أعقل وأعلى درجة في المعارف .
وإذا تأملت يا أخي وجدت أكثر اختلاف العلماء في أحكام هذا العقل المكتسب ؛ إمّا من أجل تفاوتهم في درجات عقولهم ، وإمّا من أجل اختلافات قياساتهم وفنون استعمالهم لها . وذلك أن منهم من يستعمل في البحث عن دقائق العلوم القياس الجدلي . ومنهم من يستعمل القياس الخطابي أو البرهان الهندسي أو المنطقي أو العددي ، فتختلف نتائجها بحسب اختلافها ، وتختلف أحكام العقول بتفاوتها اختلافا كثيرا لا يحصي عددها إلّا اللّه الواحد القهار . وقد ذكر في كتب المنطق طرف من ذلك بشرح طويل ، ولكن نذكر لذلك مثالا واحدا ليكون دليلا على ما وصفنا فنقول :
اعلم أن العقلاء إنما وضعوا القياسات العقلية ليستخرجوا بها المجهولات بالمعلومات فيما اختلفوا فيه بتحرّز العقول ، كما وضعوا الموازين والمكاييل والأذرع ليستخرجوا بها مقادير الأشياء المجهولة بالأشياء المعلومة لما اختلفوا فيه بالحرز والتخمين فيما يتعاملون ، كما أن هذه الموازين مختلفة بحسب بلدانهم وسنن شرائعهم ، كذلك قياسهم العقلي يختلف بحسب مراتبهم في درجات العقول المكتسبة .
والذين قالوا بقدم الهيولى أدّاهم إلى هذا الحكم طريق القياس الذي