تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 469

مساهمون:

ص٤٦٩
وسائر الأفلاك والكواكب . والذي أدّاهم إلى هذا الرأي اعتقادهم للأمور ، وقياسهم هيولى الصناعة ، وذلك أن منهم لما رأوا هيولى الصنائع مختلفة الكيفيات ، فإذا ألّفت كانت منها جزئيات من المصنوعات المختلفة كالسرير والباب المؤلّف من الخشب . وهكذا حروف الكتابة ، ونغمات الألحان ، وأصوات الموسيقار ، وعقاقير الأطباء ، وأصباغ المصورين ، وحوائج الطباخين والحلاويين ، وما شاكلها فإنها كلها مختلفة الكيفيات ، إذا اجتمعت وألّفت وركّبت كانت منها ضروب المصنوعات ، كما بيّنّا في رسالة نسب الموسيقى . فبهذا الاعتبار والقياس حكموا على تلك الأجزاء التي زعموا أنها لا تتجزأ بكيفيّات مختلفة الصور ، وإلى هذا الموضع كان علمهم ، وإليه أدّاهم اجتهادهم . ومنهم من كان أدقّ نظرا من هؤلاء ، وأشدّ تمييزا وبحثا ، فزعموا أن تلك الأجزاء كلها متماثلة ، فيسدّ بعضها مسدّ بعض وينوب منابه . فإذا ألّفت ضروبا من التأليف ، وشكّلت ضروبا من الأشكال ، واختلطت ضروبا من الاختلاط ، حدثت منها أعراض ثم كيفيات وهيئات وصفات وألوان وطعوم وروائح وما شاكلها . والذي أدّاهم إلى هذا الرأي والاعتقاد اعتبارهم هيولات الصنائع فإنها متماثلة الأجزاء ، فإذا صوّرت ضروبا من الأشكال اختلفت أسماؤها وأفعالها ، كما بيّنّا طرفا في رسالة الهيولى والصورة . مثال ذلك قطعتان من حديد صوّرت إحداهما بشكل تسمى سكينا ، والأخرى منشارا . وفعل السّكّين خلاف فعل المنشار ، والحديد واحد ، لأن الذي عمل من هذه كان جائزا أن يعمل من تلك . الأجزاء متماثلة والمؤلّف المركّب مختلف ، وإلى هذا الموضع كان مبلغ علمهم ودقّة نظرهم . ومنهم من كان أدقّ نظرا وأشد بحثا وألطف ، وقالوا : إن الهيولى إنما هي جوهر بسيط روحاني معرّى من جميع الكيفيات ، قابل لها على النظام