تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩

فصل

ثم اعلم أن الأصل في هذه الصناعة المتفق عليها بين أهلها هو معرفة الدعاوي والسؤالات والجوابات والدليل . فأما كيفيّة السؤالات وأجوبتها والاستدلالات بالشاهد على الغائب ، وبالظاهر على الباطن ، وبالمحسوسات على المعقولات ، والحكم على الكل باستقراء الأجزاء في أي شيء يجوز ، وفي أي شيء لا يجوز ، وكيف اطّراد العلّة في معلولاتها ، وكيفية قياس الفروع على الأصول ، ومعراضة الدعوى بالدعوى ، والدليل بالدليل ، وقلب المسألة على الأصل ، ومناقضة أصلها لفروعها ، ومقايسة الأصل بالأصل ، والفرع بالفرع ، ولوازم الشناعات وما يعرض فيها وفي معرفتها لأهلها من الانقطاع والشكوك والحيرة ، فهم فيها متفاوتو الدرجات ، كلّ ذلك بحسب قوى نفوسهم ، وجودة ذكائهم ، ودقة نظرهم وبحثهم ومكابرتهم ووقاحتهم وشغبهم . ثم اعلم أنه ليس من صناعة ولا علم ولا أدب يعرض لأهله فيها ، من الحيرة والدهشة والشكوك والظنون والخطأ والعدوان والبغضاء بينهم ، ما يعرض لأهل صناعة الجدل فيما يعتقدون فيها ويجادلون عنها . والعلة في ذلك أسباب شتى : منها أن جميع الصنائع والعلوم والمذاهب والآراء موضوعة لهم يتكلمون عليها ، ويعارضون فيها ، ويجادلون عنها ، قبل النظر والبحث عنها والعلم فيها . وعلّة أخرى أنه يمكن أن يداخلهم في صناعتهم من ليس منهم بالسؤال لهم والمعارضة في دعاويهم والمناقضة لأجوبتهم ، لأن السؤال أسهل من الجواب ، والمعارضة دعوى تحاذي دعوى ، والمناقضة أسهل من إثبات الحجة لأنها إفساد ، والإفساد أسهل من الإصلاح في أكثر الأشياء . وخصلة أخرى أنهم ربما يكونون مقلّدين في أصول ما يجادلون فيه من المذاهب فيبصرون الفروع ، ومن يكون في الأصل على التقليد كيف يمكنه أن يبصر الفروع على تبصرة . وخصلة أخرى أن أكثرهم ربما جادل فيصر على الرأي
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 439 | إخوان الصفاء