باريميناس « 1 » ، والسبعة التي في أنولوطيقا « 2 » . فأما ما يتفرع من فنون المعاني ، وما يعرض فيها من غرائب المباحث ، فبحر عميق قد تاه فيه أفهام كثير من الناظرين فيها ، وتحيرت عقول كثير من الباحثين عنها ، لدقة المعاني لهذه الصناعة ، وعجيب أصولها وكثرة فروعها ، وبعد مرامي أهلها ، لأن من هذه الصناعة تعرف آداب الفلسفة ، وأدب الحكم ، وميزان العقل ، ومقاييس الحقائق التي تسمى البرهان .
فقد تبيّن مما ذكرنا أن لكل علم وصناعة أصولا متّفقا عليها بين أهلها ، وكأنها في أوائل عقولهم ظاهرة بيّنة ، وإن كان غيرهم بخلاف ذلك ، مثال ذلك قول المهندسين : إن كل ضلعين من أضلاع المثلّث مجموعين هما أطول من الباقي ، أي من الضلع الثالث ، فإن هذه الحكومة عندهم كأنها في أوّلية عقولهم ظاهرة بيّنة . وأما قولهم إن الضلع الأطول من كل مثلّث يوتر الزاوية العظمى ، فهو أدق وأخفى قليلا ، فيحتاج فيه إلى تأمّل . وأما قولهم إن الزوايا الثلاث من كل مثلث مساوية لزاويتين قائمتين ، فيحتاج فيه إلى برهان ومقدمات .
وهكذا أيضا صناعة المنطق فإن فيها أشياء كأنها في أوائل عقولهم ظاهرة بيّنة ، وهو قولهم : الضّدّان لا يجتمعان في شيء واحد في زمان واحد ، فإن هذه الحكومة بيّنة ظاهرة . وأما التي هي أدق من هذا ويحتاج فيها إلى البرهان فهي مثل قولهم : كون كل شيء فساد لشيء آخر .
وعلى هذا المثال يكون حالهم في المقولات عند أهل كل صناعة وعلم وأدب ومذهب . يوجد أشياء كأنها في أوائل عقولهم ، وأشياء أخر مثل ثوان وثوالث وروابع بالغا ما بلغ . مثال ذلك أن الحكومات التي في كتاب
هامش
( 1 ) باريميناس : كتاب العبارة لأرسطو .
( 2 ) انولوطيقا : كتاب القياس لأرسطو ، ويقال له انولوطيقا الأولى . وله انولوطيقا الثانية ، وهي كتاب صناعة البرهان .