تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 438

مساهمون:

ص٤٣٨
المجسطي « 1 » على هيئة الأفلاك في تركيبها ، هي بعد النظر في علم المناظر ومعرفة الأبعاد والأجرام ، وعلم المناظر بعد علم الهندسة والنظر في كتاب أقليدس . وعلى هذا المثال أوائل كل صنعة مأخوذة من صناعة أخرى قبلها ، وإن علم البرهان بعد المعقولات والمحسوسات . واعلم أن كل صناعة مأخوذة من صناعة أخرى كما تقدّم ذكره ، وأن أهل كل صناعة أو علم أو مذهب هم بصناعتهم وأصولها وفروعها أعلم وأعرف من غيرهم ، وإنما ذلك لتعلمهم لها ودربتهم فيها وطول تجاربهم إياها . فأما سبب اختلافهم في فروعها فهو من أجل تفاضلهم فيها ، وأن المتعلم المبتدي بها لا يمكنه أن يسأل الفاضل الكامل فيها ويعارضه ويطالبه بالدليل والحجّة ، ويناقضه من غير بصيرة ولا بيان ، وهذه البلية العظمى في الصنائع والعلوم ، والمحنة على أهلها الفاضلين فيها ، ولكن من أشد بلية على الصناعة ، وأعظم محنة على أهلها ، هو أن يتكلم عليها من ليس من أهلها ، ويحكم في فروعها ولا يعرف أصلها ، فيسمع منه قوله ويقبل منه حكمه . وهذا الباب من أجلّ أسباب الخلاف الذي وقع بين الناس في آرائهم ومذاهبهم ، وذلك أن قوما من القصّاص وأهل الجدل يتصدرون في المجالس ويتكلمون في الآراء والمذاهب ، ويناقضون بعضها بعضا ، وهم غير عالمين بماهيتها ، فضلا عن معرفتهم بحقائقها وأحكامها وحدودها ، فيسمع قولهم العوامّ ويحكمون بأحكامهم ، فيضلّون ويضلّون وهم لا يشعرون . واعلم أن الجدل هو أيضا صناعة من الصنائع ، ولكن الغرض منها ليس هو إلا غلبة الخصم والظفر به كيف كان ، ولذلك يقال : الجدل فتل الخصم عما هو عليه ، إما بحجة أو شبهة أو شعبة وهو الثقافة في الحرب ، والحرب كما قيل خدعة ، وهو يشبه الحرب والمعركة إذ الحرب خدعة .
هامش
( 1 ) المجسطي : كتاب في علم الفلك لبطليموس العالم اليوناني .