تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 434

مساهمون:

ص٤٣٤
والأوج ، والحضيض ، والجيب ، والميل ، والعرض ، والطول ، وما توصف به البروج من الأوصاف المختلفة ، وما توصف به الأقاليم السبعة وأحوالها في الطول والعرض ، واختلاف الليل والنهار فيها ، وما شاكل هذه المباحث ، فإنهم في معرفتها متفاوتو الدرجات ، كلّ ذلك بحسب تفاوت قوى نفوسهم ، وجودة بحثهم عنها ، ودقة معرفتهم فيها ، وشدة تأمّلهم لها . وأيضا حكم صناعة التأليف الذي يسمى الموسيقى فإن الأصل المتفق عليه بين أهلها هو معرفتهم بالنّسب التي هي العددية والهندسية والتأليفية : وذلك أن كل مصنوع مركّب من أشياء مختلفة ، لأنه لا يخلو تركيب أجزائه وتأليف بنيته من إحدى هذه الثلاث ، فما كان منها تأليفه على النّسبة الأفضل ، فإنه يكون أحكم إتقانا ، وأجود هنداما ، وأحسن نظاما ؛ وما كان على النسبة الأدون فهو بخلاف ذلك ؛ وما كان بينهما فهو متوسط . والناظرون في هذا العلم والصناعة هم في معرفته متفاوتو الدرجات بحسب تفاوت قوى نفوسهم ، وجودة قرائحهم ، وصفاء أذهانهم ، وكثرة رياضاتهم ، وطول دربتهم ، ونظرهم وبحثهم عنها وتأمّلهم لها . وهكذا أيضا حكم علم الطبيعيات يعني بها الأجسام وما يعرض فيها من الأعراض المتفننة ، وما يوصف بها من الصفات المختلفة ، وهي كثيرة الفنون ولكل فن منها أصول ، ولها فروع ، ولكن الأصل الأول فيها كلها المتفق عليه بين أهلها هو معرفة خمسة أشياء ، وهي الهيولى والصورة والمكان والزمان والحركة ، لأن هذه الأشياء الخمسة محتوية على كل جسم ، فلكيّا كان ذلك الجسم أو ما دونه من الأركان . فأما الذي يتفرّع من هذا الأصل فنوعان : أحدهما عالم السماوات والأفلاك ، والآخر عالم الكون والفساد الذي هو تحت فلك القمر ، والأصل المتفق عليه بين أهل هذا العلم هو معرفتهم بأن حكم العالم بجميع أفلاكه وطبقات سماواته والقوى السارية فيها تجري مجرى جسم إنسان واحد وحيوان واحد يتحرّك عن محرّك واحد