تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
العقلاء في تصرفاتهم في أمور الدين والدنيا ، وكيف يعرف ذلك منهم ، فنريد أن نذكر طرفا من أحوال العلماء الذين هم أفضل العقلاء ، ونبيّن مراتبهم في العلوم والصنائع والمعارف ، وكيفية معلوماتهم التي في أوائل العقول ، المتّفق عليها بين أهل كل صناعة وعلم ومذهب ، فيما يخصّهم ، وما يتميّزون به عن غيرهم .

فصل في الفرق بين أصول الصنائع والعلوم وفروعها

فنقول : اعلم أن لكل علم وأدب وصناعة ومذهب أهلا ، ولأهلها فيه أصولا ، فهم فيها متفقون في أوائل عقولهم ، ولا يختلفون فيها وإن كانت عند غيرهم بخلاف ذلك . وإن لتلك الأصول أيضا فروعا وهم فيها يختلفون ، ولهم في كل أصل قياسات عليها يتفرّعون ، وموازين بها يتحاكمون فيما يختلفون ، وهي كثيرة لا يحصي عددها إلّا اللّه الواحد القهار ، ولكن نذكر منها طرفا ليكون إرشادا لمن يريد النظر فيها والباحثين عنها ، فنبدأ أولا بصناعة العدد التي هي أول الرياضيات فنقول : إن الأصل المتفق عليه بين أهلها هو معرفتهم لماهيّة العدد وكيفية نشوئه من الواحد الذي قبل الاثنين ، وعلمهم بأن العدد ليس هو شيئا سوى كثرة الآحاد يتصوّرها الإنسان في نفسه من تكرار الواحد في التزايد بلا نهاية . وعلمهم بأن تلك الكثرة ، كم بلغت ، لا تخلو من أن تكون أزواجا وأفرادا آحادا ، وعشراتها ومئاتها وألوفها بالغا ما بلغ . وهذا هو الأصل المتفق عليه بين أهل صناعة الأرثماطيقي الذين لا يختلفون فيه . وأما كمية أنواعها وخواصّ تلك الأنواع فهم في معرفتها متفاوتو الدرجات ،