تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١
ومنهم من يرى أن هذه موجبات أحكام الفلك من غير قصد قاصد ولا صنع صانع . ومنهم من يرى أن هذا إنما يفعل بهم ليجازوا به ويثابوا عليه . ومنهم من يرى أن هذه الحال أصلح لهم وأنفع من غيرها . ومنهم من يرى أن هذا كان في سابق العلم والقدر المحتوم لم يكن بد من كونه . ومنهم من يرى أنه إظهار القدرة وتحكّم في الملك وإنفاذ المشيئة . ومنهم من يرى أن هذه موعظة ووعيد وتهديد وتخويف لغيرهم . ومنهم من يرى أن هذا هو الأحكم والأتقن ، وإن كان لا يدري ما وجه الحكمة في ذلك ، فليس إلّا الإيمان والتسليم والصبر والرضا بما يجري به القضاء والمقادير ، كما قال تعالى :
« لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا »
وقال :
« أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ »
وإنما ذكرنا في شرح هذا الباب لأن هذا البحث والنظر من إحدى أمهات الخلاف بين العلماء ، المتفرّع منها فنون الآراء والمذاهب ، وهي محنة لعقول ذوي الألباب ، ورجحان عقل كل صاحب مذهب يتبيّن فيه ويعرف منه في نصرته لدينه بحجج متقنة ، ومساعدة لأهل مذهبه مما يتعلق به ، وحسن عشرته مع أبناء جنسه ، ما لم يكن معتقدا للرأيين المتناقضين ، فإنه عند ذلك يكون مخالفا لنفسه في مذهبه ، ومناقضا لمذهبه باعتقاده ، وهذا من أكبر العيوب عند العقلاء ومن أشنع اعتقادهم عند العلماء . ثم اعلم أنه ليس على العقلاء كثير عيب في مخالفة بعضهم بعضا ، لأن ذلك من أجل تفاوت درجاتهم كما ذكرنا قبل . وأما مخالفة الإنسان الواحد في نفسه في رأيه ومذهبه ، فإنه يدلّ على قلّة التحصيل ، ورداءة التمييز ، وسخف الرأي التي بأضدادها يفتخر العقلاء بعضهم على بعض . وخصلة أخرى في عذر العقلاء فيما يختلفون في الفروع ، وذلك أنه عسر جدّا اجتماع العقلاء على رأي واحد كلهم في شيء واحد . وإنما يتفقون في الأصول ويختلفون في الفروع . فأما إنسان واحد فليس يعسر أن يعتقد في شيء رأيا واحدا ، وأن لا يعتقد رأيين متناقضين . وإذ قد تبيّن مما ذكرنا طرف من كيفيّة رجحان عقول