فصل في بيان اختلاف كمية إدراك المعلومات
فنقول : اعلم أن أسباب اختلاف الناس في إدراك هذه الأمور الثلاثة التي تعلم وتعرف من ثلاث جهات : إحداها دقّة المعاني ولطافتها وخفاؤها ، والثانية فنون الطرق المؤدّية إليها الأسباب المعينة على إدراكها ، والثالثة تفاوت قوى نفوسهم الدرّاكة لها في الجودة والرداءة ، وهي الأصل والسبب في اختلافهم في الآراء والمذاهب ، وسائرها فروع عليها ، ونحتاج أن نشرح هذا الباب فنقول :
لما كان الإنسان إنما هو جملة مجموعة من جسد جسماني ونفس روحانية ، صار يقوّي نفسه الروحانية بدرك المعقولات ، كما أن بأعضاء جسده الجسماني يعمل الصنائع ، لأن كلّية العلوم موضوعة بإزاء قوى نفوس جميع الناس ، كما أن كليّة الصّناعات البشرية موضوعة بإزاء ترى أجساد جميع الناس ، وذلك لأنه لا يتهيأ لإنسان واحد بقوته الجزئية الاستنباط بجميع العلوم ، والاحتمال لسائر الصنائع ، وذلك أن لنفسه قوى كثيرة ، وله بكل قوة منها أفعال عجيبة ، كما أن لجسده مفاصل كثيرة وأعضاء طريفة ، وله بكل عضو من جسده حركات مختلفة ، كما بيّنّا طرفا من هذا الفن في رسالة تركيب الجسد .
ولكن نريد أن نذكر هنا ثمانية أنواع منها ، وهي القوى الدرّاكة للمعلومات ، ونبدأ أولا بذكر القوى الحسّاسة الخمس ، إذ كانت هي أول قوى النفس التي ينال بها الإنسان العلوم والمعارف ، ثم نذكر القوة المتخيّلة التي مسكنها مقدّم الدّماغ ، ثم القوة المفكّرة التي مسكنها وسط الدماغ ، ثم القوة الحافظة التي مسكنها مؤخر الدماغ .