الفلك ، ومواضع الكواكب في أصول مواليدهم ، ومساقط نطفهم ، وقد بيّنا طرفا من هذا العلم في رسالة الأخلاق . ونريد أن نذكر في هذه الرسالة طرفا من فنون اختلافات العلماء الذين هم أصّلوا الآراء والمذاهب ، وفرّعوا منها أنواع المقالات والأحكام ، وكم هي تلك الآراء والمذاهب ، وما هي تلك الأسباب التي أدّت بالعلماء إلى الاختلاف ، وكم هي . ولكن قبل ذلك نحتاج أن نذكر أجناس الأشياء التي اختلفوا فيها ، كم هي ، وما هي ، فنقول :
إن الأشياء المختلف فيها ثلاثة أنواع : أولها في الترتيب هي الأمور المحسوسة ، وبعدها الأمور المعقولة ، وبعدها الأمور الإلهية المبرهنة . أما الأمور المحسوسة فهي صور في الهيولى تدركها الحواسّ المباشرة لها ، وتنفعل عنها ، كما بيّنّا في رسالة الحاسّ والمحسوس .
وأما الأمور المعقولة فهي رسوم تلك المحسوسات التي أدّتها الحواسّ إلى القوّة المتخيلة ، إذا بقيت مصوّرة في الأوهام بعد غيبة المحسوسات عن مباشرة الحواسّ لها ، كما بيّنا في رسالة العقل والمعقولات .
وأما الأمور الإلهية المبرهنة فهي أشياء لا تدركها الحواسّ ، ولا تتصوّرها الأوهام ، ولكن الدليل والبراهين الصادقة باعثة للعقول إلى الإقرار بها والقبول لها ، كما نبيّن ذلك في كتب الهندسة وبيان المنطقية جميعا . مثال ذلك أنه قد قام البرهان في كتاب أقليدس على أن كل مقدار ذي نهاية ، أيّ مقدار كان ، جسما كان ، أو سطحا ، أو خطّا ، فإنه يمكن أن يوجد منه ظلّ دائما أبدا لا يفنى . وهذه الحكمة مما لا تدركها الحواسّ ، ولا تتصوّرها الأوهام البتّة . وأمثال هذه الحكمة كثيرة في هذه الكتب ، وفي غيرها من كتب الهندسة . وهكذا أيضا قد قام البرهان بطريق المنطق الحكميّ الفلسفي على أن خارج العالم لا خلاء ولا ملاء . وهذه الحكمة أيضا مما لا تدركها الحواسّ ولا تتصورها الأوهام . وأمثال هذه الأشياء كثيرة معروفة عند العلماء ، بخاصّة إقرار الموحّدين للّه والعارفين به بأن اللّه
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 402
مساهمون: إخوان الصفاء
ص٤٠٢