تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
ويبحث . وذلك من ثلاث جهات : أحدها الجسد بمجرّده عن النفس ، والثاني النظر في أمر النفس والبحث عن جوهرها بمجرّدها عن الجسد ، والثالث النظر والبحث عن الجملة المجموعة من النفس والجسد جميعا . وقد بيّنّا في رسالة تركيب الجسد هذه الأبواب الثلاثة بشرح طويل ، ولكن نذكر طرفا منها هاهنا مما لا بدّ منه فنقول : إن الجسد هو جسم مؤلّف من لحم وعظم وعروق وعصب وما شاكل ذلك . وهذه كلها أجسام طويلة عريضة عميقة ، وجملة ذلك تدرك بالحس ولا يشكّ فيها عاقل . وأما النفس فهي جوهرة سماوية ، روحانية حيّة بذاتها ، علّامة درّاكة بالقوّة ، فعّالة بالطبع ، لا تهدأ ولا تقرّ عن الجولان ما دامت موجودة . وهكذا خلقها ربها يوم خلقها وأوجدها . والدليل على ما قلنا وصحة ما وصفنا حسب ما بيّنّا من أمر النفس آنفا ، وكذلك تبيّن أيضا فيما بعد هذا . وأما الجملة المجموعة من الجسد والنفس بهذا المحسوس المشاهد المخاطب ، المتكلّم ، السائل ، المجيب ، العالم العارف ما دام حيّا ، فإذا مات بطل منه ظهور هذه الأشياء ، لأن الموت ليس هو شيئا سوى مفارقة نفسه جسدها ، وعند ذلك يعدم منه جميع فضائله الظاهرة من العلوم والصنائع ، والكلام والحركات ، والحواس وما شاكلها . ثم اعلم أن أكثر العقلاء وكثيرا من العلماء ممن يقرّ بوجود النفس ، أو يتكلم في أمرها ، يظنون ويتوهمون أنها شيء متولّد من مزاج الجسد ، وليس الأمر كما ظنوا وتوهموا ، لأن المتولّد من الشيء يتكوّن من جوهر ذلك الشيء ، والجسم جسم لا شك فيه ، والنفس ليس بجسم ولا عرض من الأعراض . والدليل على ذلك أنها ليست بجسم ، وهو أن الجسم لا يعقل إلّا متحركا أو ساكنا . فلو كان متحركا من حيث هو جسم ، لكان يجب أن يكون كلّ جسم متحركا ، ولو كان ساكنا لكان يجب أن يكون كلّ جسم ساكنا ، وليس يوجد الأمر كذلك ، بل قد يوجد بعض الأجسام متحرّكا دائما ،