وبعضها متحركا تارة وساكنا أخرى ، مثل الهواء ، والماء ، والنار ، والحيوان ، والنبات ، فيدلّنا بأن شيئا آخر هو الذي يحرّكها ويسكّنها .
وليست النفس بجسم ولا بعرض من الأعراض القائمة بالجسم المتولّد منه أو فيه ، لأن العرض هو شيء لا يقوم بنفسه ، وهو أنقص حالا من الجسم ، والمحرّك للشيء ، المسكّن له هو أقوى منه وأشرف . ودليل آخر أن العرض لا فعل له ، لأن الفعل عرض من الأعراض ، قائم بفاعله ، ولو كان للعرض فعل ، لكان يجب أن يكون العرض قائما به ، ولا هو يقوم بنفسه ، فكيف يقوم بغيره ؟ فهذا دليل على أن العرض لا فعل له .
وقد بيّنّا أيضا أن الجسم لا فعل له ، لأن الفاعل بالحقيقة هو الذي يقدر على أخذ الفعل وتركه ، لأن ترك الفعل أسهل من أخذه ، فلو كان للعرض فعل ، لكان يقدر على تركه كما يقدر على أخذه . فمن ظنّ أن النفس الناطقة ، الفاعلة ، الحسّاسة ، الدرّاكة العلّامة ، الصانعة الحكيمة ، المتكلّمة العارفة ، المجرّدة من الكائنات ، من تركيب الأفلاك ، وأقسام البروج ، والحركات ، والموّلدات المركّبات ، من الحيوان والنبات ، والمعادن ، وأنواعها ، وخواصّها ، ومنافعها ومضارّها ، إنما هي عرض أو مزاج متولّد من أخلاط البدن ، من غير دليل على ما زعم ، أو حجّة بيّنة دعته إلى ما هو عليه يتوهم ، فهو جاهل بأمر نفسه ، لم يعرف حقيقة ذاته ، فكيف يوثق بقوله إنه يعرف حقائق الأشياء ، ويعبّر عن علل الموجودات الغائبات عن الحواس ، وإنه يعلم أسباب الكائنات الخفيّات التي لا تعلم إلّا بدليل عقلي وبراهين حكميّة ، ومقدّمات ونتائج منطقيّة أو هندسية ؟ وهذا الذي يظن أن نفسه العالمة الناطقة ، الصانعة الحكمية ، جسم أو مزاج أو عرض من الأعراض ، لا قوام لها ولا حسّ ، ولا حركة ولا شعور
« هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ »
بعيد عن الحق ، « ونودي به
مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ »
ضلّ عن طريق الصواب من يظن بنفسه هذه الظنون
« وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ »
إذ من جهل نفسه كيف