تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 370

مساهمون:

ص٣٧٠
يعرض لها عند الذبح والقتل والموت والأمراض ، فلم يجعل ذلك الباري تعذيبا لنفوسها ، ولا عقوبة ساقها لها - كما ظنّ ذلك أهل التناسخ - بل جعل ذلك حثّا لنفوسها على حفظ أجسادها من الآفات العارضة لها إلى أجل معلوم . وإذا لم يكن كذلك لتهاونت النفس بالأجساد وتركتها لهذه الآفات ، وأسلمتها إلى المهالك والتّلف ، وكانت تهلك جميعا قبل مجيء آجالها وفناء أعمارها وقبل تمامها وكمالها . وإذا قيل : ما العلة في محبة الحيوانات الحياة وكراهيتها الموت ؟ قيل : ذلك لعلل شتى وأسباب عدة ، أحدها أن الحياة تشبه البقاء ، والموت يشبه الفناء ، والبقاء محبوب في جبلة الخلائق كلها ، إذ كان البقاء قرين الوجود ، والفناء قرين العدم . والعدم والوجود متقابلان ، واللّه لما كان هو علة الموجودات ، وهو باق أبدا ، صارت الموجودات كلّها تحب البقاء وتشتاق إليه . فمن أجل هذا قالت الحكماء إن اللّه هو المعشوق الأول ، المشتاق إليه سائر الخلائق . وعلة أخرى لكراهية نفوس الحيوانات الموت ، وهو ما يلحقها من الآلام والأوجاع والفزع عند مفارقة نفوسها أجسادها . وعلة أخرى أن نفوسها لا تدري أن لها وجودا خلوا من الأجساد . فإن قيل : فلم لا تدري نفوسها أن لها وجودا خلوا من الأجسام ؟ قلنا : لأنه لا يصلح لها أن تعلم هذه المعاني ، لأنها لو علمت ، لفارقت أجسادها قبل أن تتم وتكمل ، وإذا فارقت أجسادها قبل ذلك ، بقيت فارغة عطلاء بلا فعل ولا عمل . وليس من الحكمة أن يكون كذلك ، إذ كانت علتها التي هي خالقها لم تخل من تدبير ، ليكون فارغا بلا فعل البتّة ، بل كل يوم هو في شأن .